اقتصادالعراقسياسة
أخر الأخبار

الأسواق تفقد زخمها.. شح السيولة وترقب 30 أيلول يكبحان الإنفاق

تواجه الأسواق المحلية ضغوطا متزايدة مع تراجع القدرة الشرائية وتزاحم النفقات المعيشية، فيما يدفع القلق من تطورات المنطقة واقتراب موعد 30 أيلول المرتبط بملف حصر السلاح إلى الاحتفاظ بالنقد وتأجيل الشراء والاستثمار. ويرى متحدثان مختصان بالأقتصاد خلال حوارهما مع “طريق24” أن ضعف الحركة التجارية تحركه أسباب اقتصادية مباشرة بالدرجة الأولى، يزيدها الترقب السياسي حدة، وسط دعوات إلى إجراءات حكومية تخفف الأعباء عن المستهلكين والقطاع الخاص.

وتكشف قراءتهما عن تداخل مشكلتين في السوق: محدودية الأموال المتاحة للإنفاق، وتردد من يمتلكها في استخدامها، بما يوسع أثر الركود ليشمل الباعة وأصحاب الأعمال والعاملين الذين ترتبط مواردهم بالحركة التجارية اليومية.

الرواتب والأسعار تضغطان على السوق

يقول الدكتور رعد الجراح إن الركود الذي تشهده البصرة على سبيل المثال، لا يمثل حالة منفردة، وإن أغلب الأسواق تمر بظروف مشابهة، نتيجة تقاطع العامل الاقتصادي المباشر مع العامل السياسي والنفسي غير المباشر.

ويوضح أن الأسباب الاقتصادية هي الأقوى في المرحلة الحالية، والأشد تأثيرا على أصحاب الدخل المحدود والموظفين والطبقة المتوسطة، مقدرا مساهمتها بنحو 70 إلى 80 بالمئة من ضعف السوق.

ويضع الجراح تأخر الرواتب وقلة السيولة في مقدمة هذه الأسباب، مبينا أن دخول الموظفين والمتقاعدين تمثل المحرك الأول للأسواق المحلية، وأن أي تأخير في صرفها ينعكس مباشرة على البيع والشراء.

ويضيف أن تذبذب سعر الدولار يربك قرارات التجار والمستهلكين معا، فالبضائع المستوردة ترتبط تكلفتها بالعملة الأجنبية حتى عندما تباع بالدينار، ما يدفع التاجر إلى تعديل الأسعار لتجنب الخسارة، فيما يؤجل المشتري مشترياته أملا بانخفاض سعر الصرف.

وتنتقل آثار هذا الاضطراب عبر حلقات التجارة، إذ يصعب على البائع تثبيت أسعاره عندما تتغير كلفة تعويض البضاعة، بينما تصبح الأسر أكثر حذرا في توزيع مواردها المحدودة.

نفقات المدارس تعيد ترتيب الأولويات

ويلفت الجراح إلى تزامن الركود مع نهاية الصيف والعطلة والاستعداد للعام الدراسي، حيث تتجمع على الأسر نفقات المولدات والسفر ومستلزمات المدارس، فتتراجع قدرتها على شراء سلع أخرى.

ويرى أن المنافسة والاستيراد المفتوح يضيفان ضغوطا على السوق، في وقت يعيد فيه المستهلكون توجيه أموالهم نحو الاحتياجات الأكثر إلحاحا.

وبذلك، لا يقتصر ضعف الحركة التجارية على انخفاض الدخل المتاح، بل يشمل انتقال الإنفاق من قطاعات إلى أخرى، ما يجعل بعض الأنشطة أكثر تأثرا بتبدل الأولويات الموسمية للأسر.

كلفة الخارج وضعف الطلب في الداخل

من جانبه، يعزو الخبير الاقتصادي خالد الجابري الانكماش في الأسواق إلى تدني القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، متحدثا عن تضخم مستورد يرتبط بزيادة تكاليف النفط والنقل والمخاطر الجيوسياسية والحرب في المنطقة.

ويشير إلى ما يسميه “التضخم المكبوت” في القطاع الخاص، حيث تحد ظروف السوق من قدرة التجار على رفع الأسعار بالمستوى الذي يعوض خسائرهم، فتتعرض أعمالهم لضغط الكلفة المرتفعة والطلب الضعيف في وقت واحد.

ويرى الجابري أن هذه الظروف تترافق مع تنامي البطالة واتساع الاقتصاد غير الرسمي، وانتقال جزء من الأنشطة الرسمية إليه، فضلا عن تأثيرها السلبي على مخزونات القطاع الخاص وقدرته على الاحتفاظ بكميات كافية من البضائع.

ويحذر من انعكاس ضعف المخزون على حركة الأسواق، في ظل تراجع الثقة بانتظام الرواتب نتيجة تضارب التصريحات بشأنها، بحسب قوله.

وتبرز هنا حساسية العلاقة بين دخل الأسر ونشاط القطاع الخاص. فتراجع المبيعات يضغط على موارد أصحاب الأعمال والعاملين لديهم، بما يعمق بدوره ضعف القدرة على الإنفاق.

ترقب 30 أيلول يجمد الأموال

وعن أثر الموعد المرتبط بحصر السلاح، يرى الجراح أن توقع حدوث تطورات كبيرة يدفع المواطنين والتجار وأصحاب رؤوس الأموال إلى تقليل الإنفاق والاحتفاظ بأموالهم تحسبا لتدهور الأوضاع.

ويصف هذه الحالة بأنها “تجمد الإنفاق بسبب عدم اليقين”، موضحا أن الخوف وحده يمكن أن يضعف السوق حتى قبل وقوع أي تطور فعلي.

ويتفق الجابري على تأثير هذا العامل، قائلا إن شريحة واسعة باتت تتصرف وفق مبدأ “تفضيل السيولة”، عبر الاحتفاظ بالنقد وسحبه من المصارف والامتناع عن توظيفه في مشاريع جديدة، وهو ما يراه سببا في تعميق الانكماش.

وتوضح هذه القراءة كيف تنتقل المخاوف السياسية إلى الاقتصاد. حيث تتأجل مشتريات يمكن الاستغناء عنها مؤقتا، ويتريث المستثمر في توسيع نشاطه، فتتراجع حركة الأموال داخل الأسواق.

تخفيف الضرائب والرسوم لإنعاش التجارة

ويدعو الجابري المالية العامة إلى التحرك السريع عبر مسارين، أولهما ضخ الأموال في الأسواق من خلال برامج القروض والمنح والمساعدات للمواطنين والقطاعين العام والخاص، مع إقراره بأن نقص السيولة يحد من إمكانية تطبيق هذا الخيار.

أما المسار الذي يراه متاحا، فيتمثل بقرارات حكومية تخفض الضرائب والرسوم الكمركية وتحد من تعدد الجبايات، لتخفيف الضغط على الأسعار والقدرة الشرائية.

ويحذر من أن تراكم الرسوم والضرائب يفرض أعباء إضافية على سوق تعاني أصلا تداعيات التوترات الإقليمية، ما يجعل تخفيف كلفة النشاط التجاري مدخلا عاجلا للحد من الركود، بالتوازي مع معالجة القلق الذي يدفع الأموال إلى البقاء خارج دورة الإنفاق والاستثمار.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى