العراقحكايات
أخر الأخبار

بين دراسة الهندسة وصناعة المحتوى.. الشاب عمر يحوّل شغفه بالطبخ إلى قصة نجاح

لم يكن في ذهن عمر، حين وضع هاتفه أمامه وسجّل وصفة لـ”السمك المسگوف”، أن ذلك الفيديو العفوي سيصبح بداية طريق مختلف تماما. لم يكن هناك استوديو مجهز، ولا خطة لصناعة محتوى، ولا مشروع تجاري ينتظر التنفيذ. كان هناك فقط شاب يحب الطبخ، ومطبخ منزلي بسيط، ورغبة في مشاركة شيء يحبه مع الآخرين. لكن الوصفة وجدت طريقها إلى الجمهور.

بعد نشر الفيديو، بدأ التفاعل يتسع، وبدأ غرباء ينتظرون ما سيقدمه لاحقا. وبالنسبة لشاب عراقي في الرابعة والعشرين من عمره، يدرس الهندسة ويعيش حياته مثل كثيرين من أبناء جيله، كانت تلك اللحظة أول إشارة إلى أن الهواية التي رافقته منذ طفولته ربما تستطيع أن تصبح أكثر من مجرد وقت يقضيه في المطبخ. ومن “المسگوف” بدأت الحكاية، ثم أخذ الحلم يكبر وصفة بعد أخرى.

هواية قديمة وجدت طريقها إلى الناس

يقول عمر إن علاقته بالطبخ لم تبدأ مع مواقع التواصل الاجتماعي. فمنذ طفولته كان يجد نفسه في المطبخ، ويشعر أن إعداد الطعام مساحة يستطيع أن يعبّر فيها عن نفسه.

لكن التحول الحقيقي جاء بعد جائحة كورونا، حين بدأ عام 2022 بنشر بعض تفاصيل يومياته على “إنستغرام” بصورة عفوية، من دون أن يقرر مسبقا أن يصبح صانع محتوى متخصصا في الطبخ.

ويقول في حوار موسع مع “طريق 24”: “منذ صغري وأنا أحب الطبخ، لكن بعد كورونا في 2022 بدأت أشارك يومياتي على إنستغرام بشكل عفوي، ومع الوقت صار عندي جمهور ينتظر جديدي بشغف”.

كان فيديو “السمك المسگوف” مختلفا. التفاعل الذي حصل عليه جعله يدرك أن ما يفعله داخل مطبخه يمكن أن يصل إلى أشخاص لم يعرفهم من قبل، وأن هناك من يريد مشاهدة المزيد. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الأمر مجرد نشر يوميات.

النجاح لم يأتِ من دون نقد

وراء الصور المرتبة والأطباق التي تظهر اليوم أمام المتابعين، كانت هناك بداية أقل سهولة.

واجه عمر، مثل كثير من صناع المحتوى في بداياتهم، تعليقات وانتقادات تتعلق بطريقة التصوير وما يقدمه. وكان من الممكن أن تتحول تلك التعليقات إلى سبب للتوقف، خصوصا عندما تكون التجربة جديدة ولا يملك صاحبها بعد الثقة الكافية بما يفعل. لكنه اختار اتجاها آخر.

وبدل أن يتراجع، تعامل مع النقد باعتباره جزءا من الرحلة. استمر في الطبخ والتصوير، وبدأ شيئا فشيئا يغيّر طريقته ويتعلم من التجربة. وفي المقابل، كان هناك جانب آخر يمنحه القوة للاستمرار: عائلته والجمهور الذي بدأ يتشكل حول محتواه.

ومع زيادة المتابعين، لم يعد يرى أمامه مجرد أرقام على شاشة الهاتف، بل أشخاصا ينتظرون وصفة جديدة ويشجعونه على إكمال الطريق. وهكذا بدأت الثقة تكبر إلى جانب الجمهور.

تفاصيل صغيرة تصنع فارقا كبيرا

هذا العام مثّل محطة مختلفة في رحلة عمر. فقد قرر إعادة ترتيب المكان الذي يصور فيه محتواه وتغيير ديكوره، وبدأ يمنح تفاصيل الصورة اهتماما أكبر؛ من شكل الطبق إلى طريقة تقديمه، ومن زاوية التصوير إلى المشهد الذي سيظهر للمشاهد في النهاية.

وقد تبدو هذه التفاصيل صغيرة، لكنها بالنسبة إليه كانت علامة على انتقال الهواية إلى مرحلة أكثر جدية. فلم يعد السؤال فقط: ماذا سأطبخ اليوم؟ بل كيف سأقدم ما أطبخه؟ وكيف يمكن أن تكون الوصفة التي بدأت داخل مطبخ عائلي مادة ينتظرها آلاف الأشخاص؟

ومع كل تعديل، كان عمر يرى أثر التطور في تفاعل الجمهور. أن تجربة النجاح بالنسبة إليه لم تأتِ بقفزة واحدة، بل تشكلت من تغييرات متراكمة. فيديو أول جذب الانتباه، نقد دفعه إلى التطور، دعم عائلي منحه الثقة، وجمهور جعله يشعر بأن ما يقوم به يستحق الاستمرار.

بين كلية الهندسة والمطبخ

وفي الوقت نفسه، هناك حياة أخرى لا تزال تسير إلى جانب صناعة المحتوى. عمر طالب في كلية الهندسة، ويحاول أن يوازن بين الدراسة وبين الوقت الذي يحتاجه إعداد وصفة وتصويرها وترتيبها ونشرها.

وقد يبدو المساران بعيدين عن بعضهما. فقاعات الهندسة من جهة، والمطبخ من جهة أخرى. لكن عمر لم يتخلَّ عن أحدهما لصالح الآخر حتى الآن. يحاول أن يمنح دراسته حقها، وفي الوقت نفسه ألا يترك موهبته التي بدأت تفتح أمامه طريقا لم يكن مخططا له.

وهنا يكمن أحد تحديات التجربة؛ فالشغف يحتاج إلى وقت، والنجاح في المحتوى يحتاج إلى استمرارية، فيما تفرض الدراسة التزاماتها الخاصة.

ومع ذلك، لا ينظر عمر إلى الطبخ بوصفه هواية هامشية. فكلما ازداد التفاعل، بدأ يفكر بصورة أكبر في المستقبل الذي يمكن أن يصنعه من هذا الشغف.

حلم اسمه “شيف عمر

اليوم، يحمل المستقبل بالنسبة إلى عمر اسما واضحا: “شيف عمر”. إنه الاسم الذي يتمنى أن يحمله مطعمه يوما ما.

ومثلما لا يريد أن تكون وصفاته مجرد طعام يُعرض أمام الكاميرا، لا يريد لمطعمه المستقبلي أن يكون مجرد مكان يقدم الأطباق. يطمح إلى أن يحمل المشروع شخصيته وطريقته الخاصة في الطبخ والتقديم، وأن يكون امتدادا لما بدأه من داخل المنزل.

الحلم لم يتحقق بعد، لكنه بالنسبة إليه لم يعد مجرد فكرة بعيدة. فالجمهور موجود، والخبرة تتراكم، والمهارات تتطور، وكل وصفة ينشرها تبدو وكأنها خطوة صغيرة باتجاه ذلك المكان الذي يتمنى أن يحمل اسمه يوما ما.

موهبة تبحث عن فرصة

لكن قصة عمر لا تنفصل، في نظره، عن قصص شباب كثيرين يمتلكون مواهب ربما لا تجد المساحة الكافية للنمو.

هو استطاع أن يبدأ بما يملكه. هاتف، مطبخ، وصفة يحبها، ورغبة في الاستمرار. لكن ليس كل صاحب موهبة يستطيع تحويل شغفه وحده إلى مشروع.

ولهذا يرى أن دعم المواهب يمكن أن يصنع فارقا أكبر في حياة الشباب.

ويقول في ختام حديثه لـ”طريق 24″: “لو كان هناك دعم حكومي حقيقي للمواهب لرأينا آلاف الشباب يحولون شغفهم إلى مشاريع ناجحة، لأن الهواية إذا لاقت دعما تصنع فرقا حقيقيا في حياة الإنسان والمجتمع”.

بالنسبة إلى عمر، لم تبدأ الرحلة برأس مال أو مشروع كبير. بدأت بطبق من السمك المسگوف وفيديو عفوي.

وبين أول وصفة نشرها وحلمه بمطعم يحمل اسمه، يقف الآن شاب يحاول أن يصنع فرصته بنفسه؛ يتعلم من النقد، ويطوّر أدواته، ويوازن بين الدراسة والشغف، ويثبت لنفسه قبل الآخرين أن بعض الأحلام لا تبدأ بخطة ضخمة، بل بخطوة صغيرة يجد صاحبها الشجاعة لكي يواصل بعدها الطريق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى