
في الضفة الغربية، لم تعد البؤر الاستيطانية مجرد تجمعات عشوائية تظهر على قمم التلال، بل تحولت إلى وسيلة لفرض واقع جديد على الأرض. منازل خشبية صغيرة تُقام دون تراخيص، قطعان ماشية تتحرك في الأراضي الزراعية، واعتداءات تدفع عائلات فلسطينية إلى مغادرة منازلها وأراضيها.. هكذا تتوسع رقعة الوجود الاستيطاني. وفي قلب هذه الظاهرة تبرز حركة “فتية التلال”، جيل جديد من المستوطنين يتبنى أساليب أكثر تشددا في سعيه إلى توسيع السيطرة على أراضي الضفة الغربية.
أعاد الهجوم الذي نفذه مستوطنون إسرائيليون على قرية فلسطينية في الضفة الغربية تسليط الضوء على ظاهرة عنف المستوطنين، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الموجهة إلى السلطات الإسرائيلية بسبب ما يعتبره منتقدون تقاعسا عن التصدي لهذه الاعتداءات، رغم الإدانات الدولية المتكررة.
وتبرز في قلب موجة العنف المتصاعدة جماعة من المستوطنين المتشددين تعرف باسم “فتية التلال”، تتكون بدرجة كبيرة من شبان، بينهم من تركوا الدراسة فيما ينحدر البعض الآخر من مناطق خارج الضفة الغربية.

ولا تبدو الحركة تنظيما مركزيا متماسكا، لكنها تشترك في توجه ديني قومي يدفعها إلى توسيع الوجود الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ويعتمد أفراد الحركة بصورة خاصة على إقامة بؤر استيطانية جديدة من دون الحصول على التراخيص المطلوبة. وغالبا ما تبدأ هذه المواقع بخيام أو منازل متنقلة تقام فوق تلال تقع خارج نطاق المستوطنات القائمة.
وكانت فرانس24 قد وثقت خلال ريبروتاج بالضفة الغربية مثل هذه التصرفات التي ترتكز بشكل خاص على بناء مساكن صغيرة من الخشب في أراضي الفلسطينيين والعيش فيها من أجل فرض الأمر الواقع. من جهتها، تزود الحكومة الإسرائيلية هذه المنازل المؤقتة بالمياه والإنارة وتقوم بحمايتها عبر نشر جنود إسرائيلين بالقرب منها.
وبحسب دفير فارشافسكي، من منظمة “أبناء إبراهيم” التي تضم ناشطين يهودا متدينين مؤيدين لحقوق الفلسطينيين، فإن الظاهرة الحالية تختلف عن مجموعات إسرائيلية ظهرت منذ تسعينيات القرن الماضي وعاشت في مناطق طبيعية بالضفة الغربية. كما يرى فارشافسكي أن الجيل الجديد يتبنى مشروعا أكثر وضوحا يقوم على السيطرة على الأراضي الفلسطينية باستخدام أساليب عنيفة.
الاستيلاء على الأراضي وتخريب المباني الدينية
هذا، وتجدد الجدل بصورة لافتة بعد الهجوم الذي وقع، الثلاثاء، في قرية جالود شمال الضفة الغربية، حيث شارك فيه أكثر من 100 مستوطن، وأسفر عن إصابة ثلاثة من أفراد قوات الأمن الإسرائيلية.

وكانت القوات ترافق في ذلك الوقت عائلة فلسطينية كانت تحاول العودة إلى منزلها، بعدما اضطرت إلى مغادرته نتيجة هجمات سابقة نفذها مستوطنون.
ولا يقتصر سجل الاعتداءات على المواجهات الجسدية، إذ شملت حوادث سابقة الاستيلاء على أراضٍ فلسطينية وتخريب أماكن عبادة، بينها مساجد وكنائس، وتدمير أشجار الزيتون والمحاصيل الزراعية.
وأدت هذه التطورات إلى اتخاذ دول، من بينها بريطانيا وهولندا، إجراءات وعقوبات مرتبطة بمنتجات المستوطنات، وهو ما أثار اعتراضا إسرائيليا.
وتشير رسالة نشرتها قناة مرتبطة بـ”فتية التلال”على تطبيق واتساب، إلى أن الحركة تقول إنها نفذت خلال عام واحد 635 هجوما في 158 قرية فلسطينية.
وأسفرت تلك الهجمات عن إصابة 409 فلسطينيين وإحراق 436 سيارة. لكن هذه الأرقام لم تخضع لتحقق مستقل.
السيطرة على الأرض وتبخر حلم انشاء دولتين
يربط باحثون وناشطون إسرائيليون تابعوا نشاط “فتية التلال” منذ سنوات صعود الحركة بالتغيرات التي شهدتها حركة الاستيطان بعد خطة فك الارتباط التي نفذتها حكومة أرييل شارون عام 2005.
فقد أخلت إسرائيل آنذاك 21 مستوطنة في قطاع غزة وأربع مستوطنات في الضفة الغربية. وأدى فشل التيار التقليدي في الحركة الاستيطانية في منع إخلاء آلاف المستوطنين، إلى جانب التوتر مع الحكومة المركزية، إلى ظهور توجه أكثر تشددا.

ويقول فارشافسكي إن “هذا الجيل لم يعد يتبع النموذج التقليدي القائم على بناء مستوطان كبيرة واستقدام أعداد متزايدة من السكان إليها. وبدلا من ذلك، يعتمد على إنشاء مواقع صغيرة ومزارع وبؤر غير مرخصة، بهدف توسيع نطاق السيطرة على أكبر قدر ممكن من الأراضي باستخدام عدد محدود من المستوطنين”.
أكثر من ذلك، فبعض العائلات تعرضت إلى هجمات من قبل هؤلاء المستوطنين الذين يقومون بإضرام النار في المنازل من أجل إرغامها على المغادرة.
كما أصبح الرعي وسيلة مهمة في هذه الاستراتيجية، إذ تستخدم قطعان الأغنام والماعز للتحرك في مناطق واسعة والسيطرة تدريجيا على الأراضي الريفية الواقعة تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية.
دعم متزايد للبؤر الاستيطانية
ويرى خبراء أن وصول سياسيين يتبنون أفكارا قريبة من أيديولوجيا المستوطنين المتشددين، ومن بينهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ساهم في توفير قدر أكبر من الدعم السياسي والمالي لبعض هذه التجمعات خلال السنوات الأخيرة.

ورغم أن الوضع القانوني للبؤر غير المرخصة يمنع الحكومة الإسرائيلية من تحويل الأموال إليها بصورة مباشرة، تقول حاجيت عوفران من منظمة “السلام الآن” إن أشكالًا أخرى من الدعم الحكومي تصل إليها، من بينها شق الطرق وتعبيدها، وتوفير مركبات للحراسة، وكاميرات مراقبة، وألواح للطاقة الشمسية وطائرات مسيّرة، فضلًا عن الحماية التي يوفرها الجيش.
كما تشير عوفران إلى وجود مصادر تمويل خاصة، من بينها التبرعات ومنصات التمويل الجماعي.
خلاف داخل المجتمع الاستيطاني
في المقابل، حاول بعض المسؤولين عن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية التأكيد على أنهم لا يمثلون حركة “فتية التلال”.
وفي نهاية العام الماضي، أصدر رؤساء ثلاث سلطات محلية إسرائيلية في الضفة بيانا مشتركا طالبوا فيه أجهزة إنفاذ القانون باتباع سياسة صارمة تجاه أفراد الحركة، مؤكدين أن هؤلاء لا يعبرون عن الحركة الاستيطانية ككل.
لكن العلاقة بين المستوطنين المتشددين وأجهزة الأمن أصبحت موضع نقاش أكبر بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، عندما أدى هجوم حماس على إسرائيل إلى اندلاع الحرب على غزة واتساع المواجهات إلى جبهات أخرى.
فقد جرى سحب عدد من الجنود النظاميين من الضفة الغربية، وأصبحت حماية المستوطنات ودورياتها تعتمد بدرجة أكبر على قوات الاحتياط، ومن بينها مستوطنون يعيشون أصلًا في المنطقة.
ويقول خبراء إن جنود الاحتياط من المستوطنين قد يكونون أقل استعدادًا من القوات النظامية للتعامل مع البؤر الاستيطانية غير المرخصة وتفكيكها.
وتقول عوفران إن السلطات العسكرية لا تتعامل مع هذه البؤر بالصرامة نفسها التي تتعامل بها مع مخالفات أخرى، معتبرة أن الجيش يتجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع أصحابها.
توسع عدد البؤر الجديدة
يعيش نحو ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية، باستثناء القدس الشرقية، في حين يقيم فيها أكثر من نصف مليون إسرائيلي داخل مستوطنات تعتبرها غالبية المجتمع الدولي مخالفة للقانون الدولي.
وتقول منظمة “السلام الآن” إن إسرائيل تعترف رسميًا بنحو 140 مستوطنة، في حين يوجد نحو 400 موقع آخر بين مزارع وبؤر استيطانية تعتبر غير قانونية، حتى بموجب القانون الإسرائيلي نفسه.
وفي ظل استمرار الاعتداءات وتوسع البؤر الجديدة، تتزايد الضغوط على الحكومة الإسرائيلية لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة. لكن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قلل، في خطاب ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، من حجم الظاهرة، ووصف منفذي الاعتداءات بأنهم مجموعة محدودة من الأشخاص، مقدرا عددهم بنحو 150 شخصا، كما اتهم المجتمع الدولي بعدم إيلاء الاهتمام نفسه للعنف الذي يرتكبه فلسطينيون.
وإضافة إلى بناء منازل خشبية من أجل الاستلاء على الأراضي، فالطريق 60 الذي يربط الجنوب بشمال الضفة الغربية تسبب في عزل القرى الفلسطينية وصعب من عملية تنقل الفلسطينيين من مدينة إلى أخرى.
وهكذا يبقى ملف عنف المستوطنين أحد أكثر الملفات حساسية في الضفة الغربية، في ظل اتساع النشاط الاستيطاني، وظهور أساليب جديدة للسيطرة على الأراضي، وتزايد الجدل حول مدى قدرة السلطات الإسرائيلية ورغبتها في وقف هذه الاعتداءات.



