
كشفت وثائق رسمية صادرة عن ديوان الرقابة المالية الاتحادي عن تفاصيل ما وصفته الجهات الرقابية بملف تهريب النفط الخام وزيت الوقود العراقي عبر المياه الإقليمية في منطقة المخطاف، متضمنةً مخالفات إدارية ورقابية وأمنية ارتبطت بعمليات مناولة نفطية أدارتها شركة “تاج البحر” للخدمات البحرية والمقاولات والتجارة العامة.
وبحسب كتاب دائرة تدقيق المنطقة الثانية المرقم (34767) والمؤرخ في 4 نيسان 2025، فإن التحقيقات والوثائق الأولية الخاصة بملف تهريب النفط كشفت سلسلة ملاحظات تتعلق بعقد أبرمته الشركة العامة لموانئ العراق مع شركة “تاج البحر” عام 2019 لإدارة عمليات مناولة البضائع والمنتجات النفطية من سفينة إلى أخرى (STS) في المياه الإقليمية العراقية لمدة 12 عاماً.
وأشار التقرير إلى أن العقد منح الشركة صلاحية تنفيذ عمليات مناولة المشتقات النفطية بين الناقلات، رغم أن هذا النشاط يدخل ضمن الاختصاصات التسويقية لشركة تسويق النفط (سومو)، ومن دون وجود تنسيق معها، خلافاً للنظام الداخلي للشركة. كما لفت إلى أن وزارة النفط كانت قد حذرت منذ عام 2020 من أن أسلوب المناقلة البحرية قد يُستخدم في عمليات تهريب النفط الخام والمنتجات النفطية.
ورصد الديوان إخفاق الشركة العامة لموانئ العراق في اتخاذ الإجراءات القانونية والعقوبات التعاقدية بحق شركة “تاج البحر” رغم عدم التزامها بنصب أجهزة ملاحية متطورة لمراقبة حركة السفن في منطقة العمل، وهي أجهزة اعتُبرت أساسية للحد من عمليات التهريب ومراقبة النشاط البحري.

كما كشف التقرير عن عدم قيام موانئ العراق بمفاتحة قيادة القوة البحرية لتأمين الحماية الأمنية لعمليات المناقلة النفطية التي نفذتها الشركة، خلافاً لشروط العقد، الأمر الذي أدى إلى غياب الرقابة الأمنية على تلك العمليات وفتح المجال أمام أنشطة قد تُستغل في تهريب النفط ومشتقاته.
وفي واحدة من أبرز الملاحظات، أشار الديوان إلى قيام شركة “تاج البحر” بتنفيذ عمليات مناولة مع الناقلة “La Rosa” المسجلة بالرقم (IMO 9159660)، في حين أظهرت بيانات أنظمة التتبع الدولية المعتمدة لدى شركة تسويق النفط أن الناقلة قامت ببيع شحنات من زيت الوقود انطلاقاً من ميناء خور الزبير رغم عدم إدراجها ضمن قوائم الناقلات المعتمدة لبرامج التحميل الرسمية.
ووفقاً لما ورد في كتاب وزارة النفط المؤرخ في 9 كانون الثاني 2020، فإن ذلك يشير إلى أن زيت الوقود الذي تم تسويقه عبر الناقلة يعد مهرباً، فيما لم تزود الشركة العامة لموانئ العراق الجهات الرقابية بمعلومات تتعلق بموقع المناقلة أو كميات الشحنات التي تم تداولها.
وبيّن التقرير أن موانئ العراق أنهت عقدها مع شركة “تاج البحر” في تشرين الثاني 2020، بعد فترة قصيرة من مخاطبة وزارة النفط هيئة النزاهة بشأن وجود ناقلات تقوم بتحميل وتصدير شحنات من زيت الوقود المهرب باستخدام مستندات شحن عراقية، إلا أن الجهات الرقابية أكدت عدم حصولها على تفسير رسمي لأسباب إنهاء العقد رغم طلب ذلك لاحقاً.

وفي سياق متصل، سجل ديوان الرقابة المالية ملاحظة تتعلق بتوقف منظومة التعريف الآلي للسفن (AIS) الخاصة بتتبع حركة البواخر الداخلة والخارجة من الموانئ العراقية، رغم أن كلفة إنشائها بلغت 994 ألف دولار عام 2014. وأكد التقرير أن تعطيل المنظومة حرم الجهات المختصة من أداة مهمة لمراقبة حركة السفن والحد من عمليات تهريب النفط الخام والمشتقات النفطية، مشيراً إلى أن الشركة العامة لموانئ العراق لم تقدم معلومات دقيقة بشأن تاريخ تشغيل المنظومة أو أسباب توقفها.
كما كشف التقرير عن وجود شبهة تزوير في شهادة منشأ خاصة بشحنة زيت وقود تبلغ 95 ألف طن نقلتها الناقلة “Proud Nadia”، بعد أن أكدت الشركة العامة للمعارض والخدمات التجارية العراقية أن التواقيع المثبتة على الوثيقة غير صحيحة ولا تعود لموظفيها في البصرة. وأوضح التقرير أن شركة “تاج البحر” كانت الوكيل الملاحي للناقلة المذكورة.
وتفتح هذه المعطيات، بحسب الجهات الرقابية، ملفاً واسعاً يتعلق بآليات الرقابة على المناقلة البحرية للمنتجات النفطية، ومدى فاعلية الإجراءات الأمنية والإدارية المتبعة في الموانئ العراقية، في واحدة من أخطر القضايا المرتبطة بملف تهريب النفط خلال السنوات الماضية.




