
في العراق، لا يخوض طلبة السادس العلمي عاما دراسيا عاديا، فهذه المرحلة تُعد مفصلا حاسما في رسم مستقبلهم الأكاديمي. لكن بالنسبة لسجاد الأهواري، لم يكن التحدي مقتصرا على المنهج الدراسي وضيق الوقت، بل امتد إلى مسؤوليات أسرية فرضتها الحياة اليومية في الأهوار، وظروف بيئية ونفسية ثقيلة جعلت كل ساعة دراسة تُنتزع من بين العمل والتعب. ورغم ذلك، أنهى سجاد رحلته بمعدل 92 بالمئة، في قصة يرويها لـ”طريق24″، تختصر معنى الإصرار حين يلتقي الحلم بقسوة الواقع.

منذ بداية عامه الدراسي، رفض سجاد أن ينظر إلى السادس العلمي برهبة، وبوصفه حاجزا مخيفا. لذلك لم يسمح لنفسه باستخدام كلمات مثل “صعب” أو “معقد”. وقبل الإجابة عن أي امتحان، كان يكتب أعلى ورقة الأسئلة كلمة واحدة: “سهلات”، في محاولة لكسر رهبة الامتحان قبل أن يبدأ. لذلك كان يرى أن التحدي لا يكمن في الامتحانات، بل في كثافة المنهج وضيق الوقت، إلى جانب ضعف التعليم المدرسي أحيانا. لذلك وجد في الدروس التعليمية عبر “يوتيوب” وسيلة لتعويض ما لم تستطع ظروفه المادية توفيره من دروس خصوصية.

لم يكن سجاد يملك ترف التفرغ للدراسة كما يفعل كثير من طلبة السادس العلمي. فمع عودة الجواميس من هور الحويزة، كانت مسؤوليات جديدة تبدأ داخل المنزل، بينما تتحمل والدته الجزء الأكبر من العمل رغم معاناتها من انزلاق غضروفي. كان يراها تستيقظ قبل الفجر لإطعام الجواميس وحلبها ورعايتها وانجاز امور كثيرة قرب نهر أم الطوس، ولم يكن قادرا على تركها تواجه كل ذلك وحدها.

كان يقسم يومه بين مساعدة أسرته والعودة إلى كتبه، ثم تتكرر الدورة من جديد. ومع حلول موسم الزراعة، ازدادت ساعات العمل في حصاد الأعلاف ونقلها، لكن ذلك لم يدفعه إلى التخلي عن حلمه. كان يستغل كل وقت متاح للمراجعة، مؤمنًا بأن النجاح في السادس العلمي لا يحتاج إلى ظروف مثالية، بقدر ما يحتاج إلى القدرة على الاستمرار مهما ضاق الوقت وكبرت المسؤوليات.

الجفاف لم يؤجل الامتحانات
وبينما كان يستعد لامتحانات السادس العلمي، كانت أزمة الجفاف تفرض إيقاعا آخر على يومه. شحت المياه حتى اضطرت أسرته إلى حفر بئر وسط النهر، ورغم ملوحة مياهه، أصبح المصدر الوحيد الذي تعتمد عليه العائلة والجواميس. ولم يعد يومه يسير وفق جدول دراسة ثابت، بل وفق الحاجة إلى الماء والعمل، قبل أن يعود من جديد إلى كتبه.

وعلى بعد نحو كيلومتر من منزله، عند آخر ما تبقى من مياه الهور، كان يحمل كتابه معه كلما خرج لسقي الجواميس. يضعه على حافة البئر، يملأ الزورق بالماء، ثم يعود لقراءة صفحة أو صفحتين قبل أن يواصل عمله. وفي الوقت نفسه، كان يوثق مشاهد الجفاف والآبار والأرض المتشققة، وينشرها عبر مواقع التواصل، مؤمنا بأن نقل معاناة الأهوار لا يقل أهمية عن التمسك بحلمه في اجتياز السادس العلمي.

أربعون يوما في بيت مهجور
كلما اقترب موعد الامتحانات، كان سجاد يبحث عن مكان يمنحه الهدوء الذي افتقده وسط مسؤولياته اليومية. فاختار أن يقضي آخر أربعين يوما من المراجعة في بيت شقيقه المهجور، وهو منزل لا يضم سوى غرفة واحدة تصلها الكهرباء، وظل لأيام من دون جهاز تكييف، رغم حرارة الصيف الخانقة. هناك، صنع مكتبا بسيطا من الأدوات المتوفرة، وبدأ سباقه الأخير مع المنهج.

لم تكن الغرفة تخلو من التحديات؛ فالبيت كان مليئا بالأفاعي، حتى أصبحت رؤيتها جزءًا من يومه، بل إنه نام مرات عدة من شدة الإرهاق من دون أن يدرك أنها تتحرك في المكان نفسه. ورغم ذلك، واصل مراجعة ما تبقى من مواد مثل الوراثة والعضوية وأجزاء من الفيزياء، متمسكا بهدف واحد: أن يدخل قاعة الامتحان وهو يعلم أنه بذل كل ما يستطيع، مهما كانت الظروف المحيطة به.

أصعب امتحان… خارج قاعة الامتحان
قبل أيام من الامتحانات، تعرض سجاد لصدمة لم تكن في الحسبان. فقد أصيب جده بجلطة دماغية، وتحولت الأسرة إلى المستشفى بين الخوف والانتظار. لم تغادره صورة جده وهو عاجز عن تناول الطعام، حتى بات يجلس أمام كتبه فتسبقه دموعه إلى الصفحات، ويعجز عن قراءة سطر واحد. وحين أثقلته الضغوط النفسية، وجد في الرسم متنفسا يساعده على استعادة هدوئه، قبل أن يعود إلى الدراسة من جديد.
ورغم مسؤولياته اليومية، والجفاف، والعمل، والظروف النفسية التي رافقته طوال عام السادس العلمي، واصل سجاد رحلته حتى اجتاز الامتحانات، وحقق معدل 92 بالمئة. لم يكن ذلك الرقم نهاية قصة طالب تفوق في الدراسة فحسب، بل خلاصة عامٍ أثبت فيه أن أصعب التحديات ليست دائما داخل المنهج، وإنما في القدرة على مواصلة الطريق رغم كل ما يدور خارجه.




