
في مكان يفترض أن يكون محطة أخيرة للراحلين، تعيش آلاء طفولتها بين القبور. طفلة لم تتجاوز الثانية عشرة من عمرها، فقدت والدها، واضطرتها ظروف الفقر واليُتم إلى أن تجعل من المقبرة منزلا ومصدرا محدودا للرزق لعائلتها.
في إحدى مقابر مدينة تكريت، لا تقتصر حياة آلاء على مشاهدة أعمال الدفن أو مساعدة أفراد أسرتها في أعمالهم، بل وجدت نفسها تؤدي مهنة غريبة على عمرها، تُعرف محليا بـ”المغيسّل”، فتساعد أحيانا في غسل الموتى، وتحديدا عندما تكون المتوفاة طفلة أو فتاة.

ظروف استثنائية دفعتها لهذه المهنة
الدفان كمال أبو الحمد، يتحدث لـ”طريق 24″، ويقول إن آلاء لا تعمل بصورة دائمة في مغتسله، وإن وجودها هناك ليس أمرا معتادا بالنسبة للأطفال، لكنه جاء نتيجة ظروفها العائلية الاستثنائية، فهي يتيمة الأب وتعيش مع أسرتها داخل المقبرة.
ويشرح أبو الحمد أن آلاء تعمل عادة مع إخوتها، الذين يساعدون في حفر القبور وبعض الأعمال المرتبطة بالدفن، لكنها تدخل المغتسل عند الحاجة، خصوصا عندما تغيب المرأة المسؤولة عنه وتصل طفلة تحتاج إلى الغسل.
ولا تتولى آلاء عملية الغسل كاملة، بحسب الدفان، بل يقتصر دورها على المساعدة، فتقوم بسكب الماء، ثم تلف جثمان الطفلة بالكفن الذي يكون قد جهزه الدفان مسبقا، ويقتصر ذلك على الإناث لأن غسل النساء والفتيات من اختصاص النساء.

طفولة مختلفة
لكن الأكثر غرابة في القصة ليس دخول طفلة إلى مغتسل الموتى فحسب، بل أن هذا المكان المخيف بالنسبة للكثيرين أصبح بالنسبة إلى آلاء جزءا من حياتها اليومية.
وعندما سألنا الدفان إن كانت الطفلة تشعر بالخوف أو الرهبة وهي تتعامل مع جثامين الأطفال، أجاب ببساطة: “لا، متعودة”.
فالطفلة التي يفترض أن تكون تفاصيل يومها مرتبطة بالمدرسة واللعب والأصدقاء، اعتادت بدلا من ذلك على القبور ومراسم الدفن ومغتسل الموتى، حتى أصبح الموت مشهدا مألوفًا في طفولتها.
ومقابل مساعدتها، تحصل آلاء أحيانا على مبلغ مالي بسيط لا يتجاوز 10 آلاف دينار، وقد يكون أقل من ذلك، فيما تعمل أحيانا من دون مقابل، خصوصا عندما تكون عائلة المتوفى غير قادرة على دفع المال.
ولا تتوقف حكاية العمل عند آلاء، إذ تساعد شقيقتها أيضا في المغتسل عند الحاجة، بينما يعمل زوج شقيقتها في حفر القبور، ويعتمد أفراد الأسرة على أعمال مرتبطة بالمقبرة لتأمين جزء من احتياجاتهم اليومية.
هنا، لا تبدو المقبرة بالنسبة إلى آلاء مجرد مكان لدفن الموتى، بل مكانا للسكن والعمل أيضا؛ مساحة ضيقة حاصرت طفولتها بين الفقر واليُتم والحاجة.

واقع طفولة مؤلم
وقصة آلاء ليست سوى صورة واحدة من واقع أطفال كثيرين في العراق، حيث يدفع الفقر واليُتم وغياب الحماية الاجتماعية بعضهم إلى أعمال تفوق أعمارهم وتحرمهم من التعليم واللعب وحقهم الطبيعي في طفولة آمنة.
وتشير بيانات اليونيسف إلى أن نحو نصف أطفال العراق يعانون من الفقر متعدد الأبعاد، فيما يرتبط الفقر والحرمان بارتفاع مخاطر التسرب من المدرسة وعمالة الأطفال والاستغلال.
وهنا لا تتوقف المسؤولية عند مساعدة أسرة أو تقديم مبلغ مالي مؤقت، بل تضع الجهات المعنية أمام سؤال أكبر: من يحمي هؤلاء الأطفال من أن يتحول الفقر إلى مستقبل مفروض عليهم؟
فوزارة العمل والشؤون الاجتماعية والجهات المختصة مطالبة بتوسيع الحماية الاجتماعية، ورصد الأطفال الأكثر هشاشة، وضمان بقائهم في المدارس، والتدخل عندما تدفع الحاجة الأسر إلى سوق العمل بدل مقاعد الدراسة.
وهذا يتطلب معالجة أصل المشكلة “الفقر” الذي يقتل براءة الطفولة قبل أن يكبر أصحابها. وأولى بالحكومة فعلا أن توقف رواتب المتجاوزين على الحماية الاجتماعية وشمول هكذا أطفال فيه، فحتى اليوم، أعلنت وزارة العمل عن ضبط 140 ألف عائلة متجاوزة على شبكة الحماية وهذا يعود الى فساد وسوء ادارة واضح وصريح.



