
في لحظات تفصل بين الحياة والموت، لا يكون المصاب في حوادث السير بحاجة إلى أكثر من يد تمتد إليه سريعا، لكن في العراق، كثيرا ما تتراجع هذه اليد قبل أن تصل، لأن الخوف بات أقوى من الرغبة في الإنقاذ، فهاجس التحقيقات الأمنية، واحتمال التعرض للملاحقة العشائرية، يدفعان كثيرين إلى الوقوف موقف المتفرج، بينما تمر الدقائق الحاسمة التي قد تنقذ حياة إنسان أو تنهيها.
ورغم أن مجلس القضاء الأعلى أصدر عام 2021 توجيها يقضي بالتعامل مع المسعفين بما يضمن عدم مساءلتهم قانونيا أو اتهامهم بالتسبب في الحادث، فإن هذه المخاوف ما زالت حاضرة في أذهان المواطنين.
ويزداد الجدل مع استمرار تعثر تشريع قانون حماية المسعف، الذي لم يتجاوز حتى الآن مرحلة القراءة الأولى في مجلس النواب، رغم المطالبات المتكررة بإقراره لما يمثله من أهمية في تشجيع المواطنين على التدخل لإنقاذ المصابين.
مخاوف
ويروي المواطن كرار رياض لـ”طريق 24″ تجربة عاشها قبل أيام في أحد شوارع بغداد، حين صادف حادث سير لشخص مصاب في ساعة متأخرة من الليل، ويقول إنه أراد التدخل فورا، إلا أن الخوف من أن يتهم بالتسبب في الحادث أو أن يواجه مطالبات عشائرية دفعه إلى التراجع.
ويقول رياض: “كان الخوف أكبر من رغبتي في المساعدة، وهذا شعور مؤلم، لكنه أصبح واقعا يعيشه كثير من الناس بسبب ما قد يترتب على التدخل من تبعات قانونية أو عشائرية”.
ويطالب الحكومة بالإسراع في تشريع قانون يوفر حماية حقيقية للمسعفين، إلى جانب اتخاذ إجراءات رادعة بحق أي جهة توجه اتهامات للمسعفين دون دليل، كما يدعو إلى إطلاق حملات توعية عبر وسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية لتعريف المواطنين بحقوقهم وواجباتهم وكيفية تقديم الإسعافات الأولية بصورة آمنة.
وفي موقف مشابه، يروي الشاب حيدر أسعد أنه كان شاهدا على حادث سير وقع أمامه، إلا أن الخوف من التبعات القانونية والأعراف العشائرية منعه، شأنه شأن عشرات الأشخاص الذين كانوا في المكان، من المبادرة إلى إسعاف المصاب.
ويقول أسعد لـ”طريق 24″: رغم وجود حشود من الناس، لم يجرؤ أحد على تقديم المساعدة، خوفا من المساءلة القانونية أو الوقوع في مشكلات عشائرية، فالجميع كان يخشى أن يتحول من مسعف إلى متهم.
ويؤكد أن هذه المخاوف تستدعي الإسراع في إقرار قانون حماية المسعف، بما يوفر غطاء قانونيا لكل من يقدم المساعدة بحسن نية، ويمنع تعرضه للملاحقة أو تحميله مسؤولية لا علاقة له بها.
ويشدد أسعد على أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه وسائل الإعلام في تغيير هذه الثقافة، عبر برامج توعوية وحملات تثقيفية تشرح حقوق وواجبات المسعف، وتشجع المواطنين على التدخل لإنقاذ الأرواح.
كما يدعو إلى تنظيم دورات وورش تدريبية في الإسعافات الأولية، وإطلاق حملات مجتمعية تعزز ثقافة المبادرة والمساعدة في حالات الطوارئ، بما يرسخ الثقة لدى المواطنين ويقلل من مخاوفهم عند التعامل مع حوادث السير
التأخير يؤدي إلى تدهور
ويؤكد طبيب الطوارئ الدكتور جعفر الهلالي أن الدقائق الأولى بعد وقوع الحادث تمثل العامل الأهم في إنقاذ المصابين، مبينا أن معظم الحالات التي تستقبلها ردهات الطوارئ تعاني كسورا أو جروحا ونزيفا حادا، وأن أي تأخير في نقلها قد يؤدي إلى تدهور سريع في الحالة الصحية أو الوفاة قبل الوصول إلى المستشفى.
ويضيف الهلالي لـ”طريق 24″ أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب تعزيز ثقافة الإسعافات الأولية لدى المواطنين، إلى جانب توفير ضمانات قانونية واضحة تحمي من يقدم المساعدة بحسن نية.
كما يدعو إلى توسيع نصب كاميرات المراقبة في الطرق والشوارع لتوثيق الحوادث وحماية المسعفين من أي اتهامات أو ملاحقات غير مستحقة.
من جانبه، يقول الممرض محمد قاسم إن الخوف من المساءلة القانونية أو الفصل العشائري أصبح أحد أبرز أسباب تأخر إسعاف المصابين، موضحًا أن كثيرًا من المواطنين يتجنبون حتى الاتصال بالإسعاف أو المشاركة في نقل المصاب خشية إدراج أسمائهم ضمن التحقيقات.
ويشير في حديثه لـ”طريق 24″ أن هذا التردد قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، مثل تفاقم الكسور أو حدوث نزيف داخلي أو فقدان الوعي، وهي حالات قد تنتهي بإعاقات دائمة أو الوفاة إذا لم تُعالج في الوقت المناسب.
عائق
وترى الباحثة ريا القحطاني أن الأعراف العشائرية، رغم دورها الاجتماعي في بعض الملفات، أصبحت تشكل عائقا أمام التدخل الإنساني في حوادث السير، إذ يخشى كثيرون من التعرض لمطالبات عشائرية أو تحميلهم مسؤولية الحادث لمجرد أنهم كانوا أول من بادر إلى تقديم المساعدة.
وتوضح أن غياب الأدلة الواضحة يجعل من الصعب التمييز بين المسعف والمتسبب بالحادث، الأمر الذي يبرز أهمية كاميرات المراقبة في توثيق الوقائع وحماية الأبرياء من أي تبعات قانونية أو اجتماعية.
كما تؤكد القحطاني أن مواقع التواصل الاجتماعي أسهمت في تعقيد المشهد، إذ تنشر معلومات متضاربة واتهامات غير موثقة عقب وقوع الحوادث، ما يؤثر في الرأي العام ويزيد الضغوط على الأشخاص الذين بادروا إلى تقديم المساعدة.
مسؤولية قانونية
بدوره أوضح الخبير القانوني حسن وليد المالكي أن القانون العراقي لا يتضمن نصا صريحا يجيز احتجاز المسعف لمجرد نقله المصاب إلى المستشفى، بل إن التشريعات تشجع على تقديم المساعدة العاجلة وإنقاذ الأرواح.
لكنه أشار إلى أن الشرطة قد تستدعي أو تحتجز المسعف في بعض الحالات إذا كانت الحادثة جنائية أو غامضة، بهدف الاستماع إلى إفادته كشاهد والتحقق من ملابسات الحادث، وليس لكونه قدم المساعدة بحد ذاتها.
وأضاف المالكي لـ”طريق 24″ أن أي احتجاز من دون مسوغ قانوني واضح قد يعد انتهاكا لحقوق المسعف، لا سيما إذا كان تصرفه نابعا من واجب إنساني وحسن نية.
وفي ما يتعلق بالمخاوف التي تدفع كثيرين إلى العزوف عن إسعاف المصابين، بين المالكي أنها لا تقتصر على الجانب القانوني، بل تمتد إلى التخوف من الإجراءات الأمنية أو التبعات العشائرية، إذ قد يواجه المسعف مطالبات بالفصل العشائري أو يتحمل اتهامات رغم عدم وجود دليل قانوني يدينه.
وأشار إلى أن مجلس القضاء الأعلى سبق أن وجه، في 8 أيلول 2021، المحاكم إلى التعامل مع مسعفي حوادث السير والإصابات المختلفة بما يجنبهم الاتهام، واعتبارهم منقذين إنسانيين لا تجوز محاسبتهم بسبب تقديمهم المساعدة، وجاء هذا التوجيه بعد تزايد حالات الاقتصاص العشائري بحق المسعفين، وما نتج عنها من عزوف كثير من المواطنين عن إسعاف المصابين خشية التعرض للمساءلة أو المطالبات العشائرية.



