
لم يعد الجدل بشأن قانون الأحوال الشخصية الجعفري مقتصراً على النصوص القانونية وتداعياتها الاجتماعية، بل امتد إلى الفضاء الرقمي، حيث تواجه نساء وناشطون معترضون على القانون حملات من الشتائم والتشهير والطعن بالشرف، في خطاب يحوّل الخلاف بشأن التشريعات إلى استهداف شخصي يطال السمعة والكرامة. وبينما يؤكد مدافعون عن حقوق المرأة أن الاعتراض على القانون موقف حقوقي مشروع، تتصاعد الدعوات إلى التصدي للإساءات ومحاسبة المسؤولين عنها، وسط مخاوف من أن تتحول هذه الحملات إلى وسيلة لترهيب النساء وثنيهن عن المشاركة في النقاش العام.
الطعن بالشرف بدلاً من مناقشة المواقف
الناشط المدني علي مفتن رفض بشدة حملات التخوين والتشهير التي تستهدف الناشطين والناشطات المدافعين عن حقوق المرأة، معتبراً أن اللجوء إلى الطعن بالشرف يكشف عجزاً عن مناقشة المواقف والحجج، ويحوّل الاختلاف في الرأي إلى محاولة للنيل من السمعة الشخصية.
وقال مفتن لـ”طريق24″، إن بعض الخطابات المتداولة تستخدم مصطلحات ساخرة ومهينة، من بينها وصف “أختهن”، في محاولة للانتقاص ممن يساندون النساء ويدافعون عن حقوقهن، وكأن الوقوف إلى جانب الأمهات والأطفال أصبح مدعاة للتشكيك في الكرامة والشرف.
وتساءل مفتن عن الأسباب التي تجعل الدفاع عن حقوق المرأة مدخلاً للتشكيك في رجولة وأخلاق المدافعين عنها، مؤكداً أن الاختلاف بشأن قانون الأحوال الشخصية لا يمنح أي طرف الحق في التشهير بالآخرين أو مصادرة حقهم في التعبير.
وشدد على أن “اللجوء إلى التخوين والطعن بالشرف بدلاً من مناقشة الحجج والوقائع” يمثل تهديداً للنقاش العام، لافتاً إلى أن الدفاع عن حقوق النساء والأمهات والأطفال موقف حقوقي لا ينبغي أن يخضع لضغوط المجتمع أو حملات السخرية والتشهير.
وأكد مفتن أن من يختلف مع المعترضين على القانون يستطيع مناقشة مواقفهم بالحجة والوقائع والقانون، بدلاً من استهداف سمعتهم، مشدداً على أن هذه الحملات لن تثني المدافعين عن حقوق المرأة عن مواصلة التعبير عن مواقفهم.
استهداف الصور الشخصية ومحاولات إخافة النساء
من جانبها، قالت الناشطة النسوية رؤى خلف إن الأطراف المناهضة لحقوق المرأة تواصل استخدام أساليب الترهيب والتشويه، بما في ذلك الطعن بالشرف والسب العلني واستخدام الصور الشخصية، فضلاً عن استهداف المنظمات النسوية ومحاولة تصويرها بصورة سلبية.
وأضافت خلف خلال حديثها مع “طريق24” أن هذه الممارسات تهدف إلى خلق حالة من الردع الاجتماعي، ودفع النساء إلى الانسحاب من الفضاء العام والامتناع عن التعبير عن آرائهن أو المشاركة في النقاشات المتعلقة بحقوقهن، خشية التعرض للإساءة والتشهير.
وأشارت إلى أن بعض النساء يلجأن إلى تدابير وقائية، مثل ارتداء النظارات أو الكمامات، خوفاً من التداعيات التي قد تترتب على ظهورهن في الاحتجاجات أو المواقف العلنية، لكنها رأت أن حالة الخوف بدأت تواجه اعتراضاً متزايداً من نساء يرفضن الاستمرار في الصمت إزاء ما يعتبرنه انتهاكات لحقوقهن.
وربطت خلف تصاعد هذه المواقف بالجدل المستمر بشأن قانون الأحوال الشخصية الجعفري، وما أثاره من مخاوف لدى ناشطات وحقوقيات بشأن قضايا الحضانة وحقوق النساء والأطفال، معتبرة أن استهداف التظاهرات والتحركات الاحتجاجية يزيد من حدة التوتر ويضع حرية المشاركة العامة أمام اختبار صعب.
اللجوء إلى القضاء لمواجهة التشهير
وفي مواجهة هذه الحملات، أوضحت خلف أن ردود فعل النساء والناشطات تتفاوت بين تجاهل الإساءات والرد عليها، وبين الإصرار على مواصلة النشاط العام وعدم السماح للتهديدات بالتأثير في قناعاتهن.
ولفتت إلى أن بعض الحسابات التي تروّج للإساءات والاتهامات تبدو حسابات وهمية أو جزءاً من نشاط إلكتروني منظم، مشيرة إلى أنها تفكر في اتخاذ إجراءات قضائية بحق شخصيات معروفة تتهمها باستهداف صورها الشخصية واستخدام عبارات جارحة ومسيئة بقصد تشويه سمعتها.
وأكدت أن التوجه نحو القضاء لا يقتصر على الدفاع عن حقوقها الشخصية، بل يهدف أيضاً إلى تشجيع نساء أخريات على استخدام الوسائل القانونية المتاحة لمواجهة التشهير، وحماية حقهن في المشاركة في الشأن العام من دون ترهيب أو استهداف.
خلاف تشريعي يتحول إلى اختبار لحرية التعبير
ويعيد هذا التصعيد طرح أسئلة بشأن حدود الخلاف في القضايا الدينية والتشريعية، والفاصل بين حرية التعبير عن الرأي وبين الإساءة الشخصية والتشهير. فمع اتساع النقاش بشأن قانون الأحوال الشخصية الجعفري، باتت منصات التواصل الاجتماعي ساحة تتواجه فيها المواقف المؤيدة والمعارضة، وسط اتهامات باستخدام الإهانات والضغط الاجتماعي بدلاً من الحوار بشأن آثار القانون وتداعياته.
وبينما يتمسك المعترضون بحقهم في مناقشة التشريعات وانتقادها، تبرز أهمية ضمان أن يجري هذا النقاش بعيداً عن استهداف النساء بسبب مواقفهن، أو تحويل السمعة والشرف إلى أدوات لإسكات الأصوات المخالفة.
فالقضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية وحقوق النساء والأطفال تستدعي نقاشاً يستند إلى النصوص القانونية والآثار الاجتماعية والحقوقية، لا إلى التشهير بالأشخاص أو التشكيك في أخلاقهم. ويظل التحدي الأساسي هو حماية حق الجميع في إبداء الرأي والاحتجاج السلمي، مع إخضاع أي انتهاكات محتملة للمساءلة وفق القانون، بعيداً عن التهديد والوصم الاجتماعي.



