
تبدأ بعض مواجهات الملاعب العراقية بهتاف مسيء أو شتيمة، ثم تتطور في حالات أخرى إلى رمي القناني والحجارة واقتحام الملعب والاعتداء على الحكام والجماهير. وخلال المواسم الأخيرة تكررت عبارات سياسية وطائفية وساخرة داخل المدرجات وعلى منصات المشجعين، بالتزامن مع حوادث ضرب وتخريب واشتباكات، فيما تواصل لجان الانضباط إصدار العقوبات من دون أن تنجح حتى الآن في وقف تكرار الظاهرة.
الشتيمة لا تبقى في المدرجات دائما
العنف في الكرة العراقية لا يبدأ بالضرورة بحجر أو كرسي مكسور. ففي كثير من المباريات يسبقه احتقان تصنعه الشتائم والهتافات التي تتجاوز المنافسة الرياضية إلى التخوين السياسي والطائفي والإساءة للحكام واللاعبين والجمهور المنافس. والاتحاد العراقي نفسه وثق هذا النوع من السلوك في قرارات انضباطية حديثة، بينها معاقبة جمهور القوة الجوية بعدما أثبتت تسجيلات مباراة الكرمة ترديد هتافات وصفتها لجنة الانضباط بأنها “مسيئة وطائفية” وتمس النسيج الوطني.
وقاموس الخصومة الجماهيرية لا يقف عند الشتيمة المباشرة. عبارات مثل “بعثية” تستخدم للتخوين، بينما تحولت تسميات ساخرة مثل “عارية” و”عكاريك” و”دفّانة” إلى جزء من السجالات المتداولة بين بعض جماهير الأندية، ولا سيما على مواقع التواصل. وقد تبدو هذه الكلمات للبعض ضمن المناكفات المعتادة في كرة القدم، لكنها تصبح أكثر خطورة عندما تستدعي خلفيات سياسية أو طائفية أو مناطقية، أو عندما يتحول الجمهور المنافس من خصم كروي إلى جماعة يجري تحقيرها أو تخوينها.
والخط الفاصل بين الكلام والفعل ليس ثابتا. مباراة أربيل ودهوك في حزيران 2025 قدمت مثالا على أجواء بدأت باعتراض وشتم للحكم من أحد مسؤولي دهوك، ثم انتهت بقلع مقاعد ورميها داخل الملعب، إلى جانب القناني والدخانيات والتصادم مع رجال الأمن. لجنة الانضباط سجلت تلك الوقائع في قرارها، بما يظهر أن الإساءة اللفظية لا تبقى دائما منفصلة عن بقية السلوك داخل الملعب.
والمشكلة لا تتعلق بقدرة اتحاد الكرة على كتابة عقوبة جديدة بعد كل مباراة، بل بقدرته على منع تحول المدرج إلى مساحة مقبولة للشتيمة والتحريض قبل أن يصل الأمر إلى الاعتداء.
الجمهور ليس وحده في دائرة العنف
أن تحميل الجماهير المسؤولية كاملة يمنح بقية الأطراف فرصة سهلة للابتعاد عن المحاسبة. لأن عدد من الحوادث الموثقة يظهر أن لاعبين وإداريين ومدربين ومسؤولي فرق دخلوا أيضا في دائرة التجاوز والاعتداء، وفي بعض الحالات حدث ذلك أمام الجمهور نفسه.
في مباراة دهوك والموصل خلال أيار 2026، قالت لجنة الانضباط إن إداريين من نادي دهوك دخلا أرض الملعب واعتديا على الطاقم التحكيمي وعلى أحد لاعبي الموصل قبل تدخل رجال الأمن. الحادث لم يبق خلافا عابرا داخل المستطيل، بل انتهى بعقوبات وغرامات بحق النادي وجمهوره.
وقبلها دفع الحكم الدولي المساعد حسين فلاح ثمنا أخطر. ففي مباراة كربلاء ودهوك في كانون الثاني 2025 أصابه حجر في الرأس من المدرجات، وفقد الوعي ونقل إلى المستشفى، واضطر الحكم إلى إنهاء المباراة قبل وقتها. لجنة الانضباط فرضت لاحقا عقوبات على كربلاء بينها اعتباره خاسرا بثلاثة أهداف.
هذه الوقائع تكشف خللا يتجاوز سلوك مشجع غاضب. فعندما يشتم مسؤول الحكم، أو يدخل إداري إلى أرض الملعب، أو يتشابك لاعب أو مدرب، تصل إلى المدرجات رسالة مفادها أن الانفعال تجاوز حدود المنافسة وأصبح سلوكا مقبولا. عندها لا يكفي أن يطلب من الجمهور الهدوء بينما يقدم بعض الموجودين داخل الملعب النموذج المعاكس.
عقوبات تتكرر والعنف يعود
قرارات الانضباط في الكرة العراقية لم تعد نادرة. حرمان جماهير، غرامات مالية، منع مشجعين من دخول الملاعب، خسارة مباريات إداريا، واستكمال مواجهات على ملاعب محايدة. ومع ذلك تعود الحوادث بصورة متقاربة، بما يعني أن العقوبة كثيرا ما تصل بعد وقوع الضرر من دون أن تمنع تكراره.
في نيسان 2025 شهدت مباراة نوروز وزاخو اقتحام الملعب وخلع المقاعد واشتباكات بين الجماهير، وانتهت العقوبات بعد الاستئناف بحرمان جمهور كل ناد من مباراتين وتغريمه 25 مليون دينار، مع استكمال الدقائق المتبقية على ملعب محايد.
وبعد أكثر من عام، عادت لجنة الانضباط لمعاقبة ديالى عقب مباراة الشرطة في أيار 2026. وغرم النادي 15 مليون دينار وحرم جمهوره من المباريات على أرضه حتى نهاية الموسم، كما منع خمسة مشجعين من دخول الملاعب لمدة عام.
لكن العقوبة الجماعية لا تكفي دائما. حرمان آلاف المشجعين قد يطال أشخاصا لم يرتكبوا مخالفة، بينما يبقى المطلوب الوصول إلى المعتدي نفسه ومنعه ومحاسبته. وزير الداخلية كان قد وجه في كانون الثاني 2025 بالقبض الفوري على مثيري الشغب والمعتدين على الحكام واللاعبين وإحالتهم إلى القضاء، إلى جانب تعميم صورهم وأسمائهم لمنعهم من دخول الملاعب مستقبلا. استمرار الحوادث بعد هذه التوجيهات يجعل السؤال متعلقا بحجم التنفيذ الفعلي، لا بعدد التعليمات التي صدرت.
ولم تبق آثار السلوك الجماهيري داخل العراق. المشجع العراقي المعروف رسول “أبو القوزي” واجه منعا من دخول قطر بعد ظهوره اللافت في كأس آسيا 2024، وسط روايات متضاربة بشأن السبب. فبينما ربطت منشورات المنع بترديده أناشيد دينية، قالت تقارير أخرى إن السبب يعود إلى شكوى كويتية مرتبطة بمنشورات له عن الكويت والنظام السابق، من دون إعلان قطري رسمي يحسم الروايتين. كما رفضت الكويت لاحقا منحه تأشيرة دخول في 2024. وفي مقطع متداول أمس، عاد “أبو القوزي” لمناشدة رفع الحظر عنه، في مثال على أن ما يراه المشجع مجرد هتاف أو موقف عابر قد يتحول خارج العراق إلى إجراء يمنعه من حضور المباريات أصلا.
حين يفوق الجمهور قدرة الملعب
العنف لا يرتبط بالغضب وحده، فسوء التنظيم يمكن أن يصنع البيئة المناسبة له. مباراة ديالى والشرطة في 15 أيار 2026 قدمت مثالا واضحا بعدما سجل المنسق الأمني دخول نحو 2500 مشجع فوق الطاقة الاستيعابية للملعب. المباراة شهدت مشاجرات وتراشقا بالقناني واعتداءات على بعض جماهير الشرطة قبل تدخل القوات الأمنية، فيما وجهت لجنة الانضباط إنذارا لإدارة الملعب بعدم السماح بتجاوز السعة مستقبلا.
الرقم يكشف أن مسؤولية الأمن لا تبدأ لحظة اندلاع الشجار. السماح بدخول أعداد تفوق السعة يعني أن الخلل سبق صافرة البداية. توزيع الجماهير، وفصل جمهور الفريقين، وضبط عدد الداخلين، ومراقبة الممرات والبوابات، وتأمين خروج جمهور الفريق الضيف، كلها إجراءات يفترض أن تعمل قبل الحاجة إلى تدخل القوات الأمنية.
وحادثة نوروز وزاخو في 2025 أظهرت مستوى آخر من ضعف السيطرة، عندما نزلت الجماهير إلى أرض الملعب وكسرت المقاعد، فيما تحدثت التقارير عن صعوبة إعادة المشجعين إلى المدرجات واستخدام مرشات المياه للمساعدة في تفريقهم.
هنا لا يعود مقبولا تحميل المشجع وحده كامل المسؤولية. من يبيع التذاكر، ويفتح الأبواب، ويحدد السعة، ويفصل الجمهورين، ويضع خطة الإخلاء، يتحمل جزءا من مسؤولية السلامة. وعندما يدخل آلاف فوق الطاقة المحددة، لا يكفي وصف ما يجري بعد ذلك بأنه فعل “جمهور منفلت”.
العنف يبدأ قبل صافرة الحكم
جزء من المشكلة يصنع خارج الملعب قبل أن يصل إلى المدرجات. صفحات المشجعين والبرامج الرياضية والتعليقات على مواقع التواصل لم تعد مساحة لمناقشة النتائج فقط، بل تتحول في بعض الحالات إلى امتداد للمنافسة الحادة، مع تنمر وإساءات وتخوين سياسي وطائفي واتهامات تطال اللاعبين والحكام والأندية.
هذا الخطاب له مفرداته الخاصة. وصف جماهير الزوراء بـ”بعثية” موثق منذ سنوات في سجالات كروية، وفي المنصات الجماهيرية تتداول تسميات ساخرة مثل “عارية” تجاه القوة الجوية و”عكاريك” تجاه الشرطة. ولا يعني وجود السخرية بحد ذاته أن كل مناكفة تمثل عنفا، لكن المشكلة تبدأ عندما تستخدم الهوية السياسية أو الطائفية أو الاجتماعية للإهانة أو التحريض.
وتمنح دراسة عراقية حديثة بعنوان “تفاعلية الجمهور مع المنشورات الرياضية في مواقع التواصل الاجتماعي وعلاقتها بإثارة خطاب الكراهية – بطولة خليجي 26 أنموذجا” بعدا أوسع للمشكلة. الدراسة اعتمدت عينة من 400 متابع، وخلصت إلى ارتفاع إدراك انتشار خطاب الكراهية في المحتوى الرياضي، وحددت العنصرية والتنمر والإساءة إلى الفرق واللاعبين ونشر الأخبار الكاذبة ضمن أبرز صوره، كما ربطت التفاعل الإلكتروني بإعادة إنتاج هذا الخطاب وتوسيع انتشاره.
والمؤسسات الرياضية نفسها تبدو مدركة لخطورة اللغة المستخدمة حول المباريات. كما أن لجنة الانضباط لا تحاسب الجمهور وحده، إذ قررت في 30 آب 2026 تغريم مدرب الكهرباء حسن أحمد ومساعده علي حسن أحمد مليون دينار لكل منهما بعد تصريحات تضمنت الإساءة والتشكيك بنزاهة الحكام عقب مباراة الكهرباء والكرمة. الواقعة تؤكد أن الخطاب المتشنج لا يأتي من المدرجات فقط، بل قد يصدر أيضا ممن يفترض أن يكونوا جزءا من ضبط سلوك المباراة.
ومعالجة العنف اللفظي لا تعني منع المشجع من السخرية أو الاعتراض أو مهاجمة أداء فريقه وحكام المباراة. كرة القدم تقوم على المنافسة والانفعال. المشكلة تبدأ عندما ينتقل التشجيع إلى إهانة هوية الخصم أو تخوينه أو التعامل مع الحكم واللاعب والمشجع المنافس باعتباره عدوا يجوز الاعتداء عليه.
من الشتيمة إلى البوابة المغلقة
أحدث الوقائع جاءت في أربيل مساء 14 أيلول، بعد فوز الكرمة على أربيل 2-1 في ملعب فرانسو حريري. وكالة “نينا” تحدثت عن أعمال شغب واعتداء على جماهير الكرمة وإغلاق للبوابات بعد المباراة، فيما انتشرت على المنصات مقاطع لمشجعين بدت عليهم إصابات في الرأس. حجم الإصابات والمسؤوليات التفصيلية ما زال بحاجة إلى نتائج تحقيق رسمي، لكن أصل وقوع الشغب والاعتداء وإغلاق البوابات ورد في تقرير الوكالة.
هذا التكرار يجعل وصف كل واقعة بأنها “حالة فردية” أقل إقناعا. حجر يصيب حكما، جمهور يقتحم الملعب، مقاعد تقلع، إداريون يدخلون في اشتباكات، آلاف يدخلون فوق السعة، جماهير تتعرض للاعتداء، وهتافات يعاقب عليها الاتحاد بسبب مضمونها الطائفي أو المسيء. الأسماء والمدن تتغير، لكن البيئة التي تسمح بتكرار الوقائع تبقى موجودة.
العقوبات مطلوبة، لكنها تأتي بعد إصابة الحكم أو ضرب المشجع أو تكسير المقعد. الردع الحقيقي يبدأ قبل ذلك، بتحديد هوية المعتدين ومنعهم من دخول الملاعب، وضبط التذاكر والسعة، واستخدام كاميرات فعالة، ووضع خطط واضحة للدخول والخروج، ومحاسبة الإداري أو اللاعب أو المدرب عندما يكون هو مصدر التجاوز، وعدم ترك المنصات المرتبطة بالأندية والشخصيات الرياضية تغذي خصومات تتجاوز حدود المباراة.
كرة القدم العراقية تملك قاعدة جماهيرية تمنح الدوري جزءا كبيرا من قيمته، كما أن المسابقة شهدت خلال السنوات الأخيرة تطورا في الحضور الجماهيري والتنظيم والمنافسة. لذلك لا يصح تحويل الجماهير كلها إلى متهم بسبب فئة تشتم أو تعتدي. ولهذا تصبح محاسبة الفرد أهم من الاكتفاء بحرمان مدرج كامل، ويصبح منع العنف قبل وقوعه أهم من إصدار بيان جديد بعد كل مباراة.
فالمدرج الذي يتسامح اليوم مع التخوين والشتيمة قد يشهد غدا حجرا أو اشتباكا. وما تحتاجه الملاعب العراقية ليس عقوبة أشد بعد كل حادث فقط، بل منظومة يعرف فيها المشجع قبل دخوله أن الهتاف الطائفي له ثمن، وأن الاعتداء يمكن أن يقوده إلى القضاء والمنع، وأن النادي والإداري واللاعب والمدرب ليسوا خارج دائرة المحاسبة. عندها يمكن أن تبقى المنافسة داخل التسعين دقيقة، ولا تخرج معها من بوابات الملعب.



