اقتصادالعراقمجتمعمحليات
أخر الأخبار

هل سيكون الفقراء خارج أسوار الجامعات عام 2029؟.. مخاوف من تحوّل التعليم إلى امتيازات طبقية

يثير التوجه نحو تحويل الجامعات الحكومية في العراق إلى نظام التمويل الذاتي بحلول عام 2029 مخاوف تتجاوز الجوانب المالية والإدارية، لتلامس جوهر العدالة الاجتماعية ومستقبل حق التعليم في بلد تتفاوت فيه دخول المواطنين وتتباين قدرتهم على تحمّل تكاليف المعيشة والدراسة، فيما يضمن الدستور مجانية التعليم لجميع العراقيين في مختلف مراحله.

وبينما يطرح رئيس اللجنة المالية النيابية، عدي عواد، التوجه نحو التمويل الذاتي بوصفه مسارا لتوفير الموارد للجامعات، برزت تساؤلات بشأن قدرتها على تأمين نفقاتها ورواتب العاملين فيها، إذ ردّ عواد، عندما سُئل عن مصدر هذه الأموال، بالقول: “مشكلتهم”. وهي إجابة تفتح بابا واسعا للتساؤل عن مصير المؤسسات الجامعية التي قد تجد نفسها مطالبة بتدبير مواردها، وعن الطلبة الذين قد يتحملون جانبا من كلفة هذا التحول.

وفي ظل اتساع قنوات التعليم المدفوع داخل الجامعات الحكومية، وتنامي القطاع الأهلي، تبرز مخاوف من أن يقود هذا المسار إلى تعميق الفوارق الطبقية في فرص التعليم، بحيث تتسع خيارات أبناء العائلات الميسورة، فيما يجد أبناء العمال والموظفين محدودي الدخل والفئات الفقيرة أنفسهم أمام حواجز مالية إضافية قد تحدّ من فرصهم في مواصلة الدراسة الجامعية.

من حق اجتماعي إلى عبء على الأسرة

لا يُختزل التعليم في كونه خدمة تقدمها مؤسسة حكومية، بل يمثل إحدى الأدوات الأساسية التي تتيح لأبناء الفئات الفقيرة تحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية. ومن هنا، فإن أي تحول في آليات تمويله لا يمكن تقييمه من زاوية الموازنة وحدها، بل ينبغي النظر أيضاً إلى أثره في توزيع الفرص بين الطبقات الاجتماعية.

فحين تتسع الرسوم والأقساط، أو تضطر الجامعات إلى الاعتماد بصورة أكبر على إيرادات الطلبة، تصبح القدرة المالية للأسرة عاملا أكثر تأثيرا في تحديد المسار الدراسي لأبنائها. وقد لا يُحرم الطالب الفقير من التعليم بقرار رسمي، لكنه قد يجد نفسه عاجزا عن تحمّل تكاليفه المباشرة، فضلا عن أجور النقل والسكن والكتب ومتطلبات الدراسة الأخرى.

وفي هذه الحالة، لا يعود التنافس بين الطلبة قائما على التحصيل العلمي والاستعداد الأكاديمي وحدهما، بل تتدخل القدرة الاقتصادية في رسم حدود الخيارات المتاحة أمامهم.

ويحذّر الأكاديمي علي إحسان من أن تحويل الجامعات الحكومية إلى التمويل الذاتي بالكامل، إذا كان يعني تحميل الطلبة تكاليف دراستهم وإنهاء التعليم المجاني، يثير إشكالية تتعلق بالمادة 34/ثانيا من الدستور العراقي، التي تنص على أن “التعليم المجاني حق لكل العراقيين في مختلف مراحله”.

ويرى إحسان أن العجز المالي لا يبرر التنازل عن حق دستوري، مطالبا بالحفاظ على مجانية التعليم الحكومي وتوفير التمويل اللازم له، باعتبار التعليم استثمارا في مستقبل البلاد، لا نفقات يمكن التخلص منها عند اشتداد الضغوط المالية.

فوارق طبقية حتى في التعليم

وتتمثل إحدى أخطر النتائج المحتملة لتراجع التمويل الحكومي في أن تتحول الفوارق الاقتصادية القائمة بين العائلات إلى فوارق أوسع في فرص الحصول على التعليم العالي.

فالعائلة الميسورة تستطيع تحمّل الرسوم الدراسية وتكاليف السكن والنقل، كما يمكنها توفير بدائل تعليمية لأبنائها عند تعثر فرص القبول أو ارتفاع كلفة الدراسة. أما العائلة محدودة الدخل، فقد تضطر إلى المفاضلة بين تعليم أحد أبنائها وتلبية الاحتياجات الأساسية لبقية أفراد الأسرة.

ولا تقف آثار هذا التفاوت عند حدود المرحلة الجامعية، إذ يمكن أن تمتد إلى سوق العمل وتوزيع الدخل مستقبلا. فكلما ضاقت فرص أبناء الفئات الأقل دخلا في الوصول إلى التعليم، ازدادت صعوبة انتقالهم إلى مواقع مهنية توفر دخلا أفضل، بما قد يسهم في إعادة إنتاج الفوارق الطبقية بدلا من الحد منها.

ومن هذا المنظور، لا يتعلق الجدل بمجرد تحديد الجهة التي تدفع نفقات الجامعة، بل بطبيعة الدور الذي يؤديه التعليم الحكومي، فهل يظل أداة لتوسيع الفرص الاجتماعية، أم يصبح الوصول إليه أكثر ارتباطا بما تملكه الأسرة من موارد مالية؟

التمويل الذاتي.. من يتحمل كلفة الأزمة؟

يعيد المقترح طرح سؤال توزيع الأعباء المالية في المجتمع. فإذا كانت الدولة تواجه ضغوطا في موازنتها، فإن نقل جانب من نفقات التعليم إلى الطلبة يعني عمليا تحميل الأسر جزءا من كلفة الأزمة المالية، بصرف النظر عن تفاوت مساهماتها في الاقتصاد وقدرتها على الدفع والضرر الذي أصابها بخفض قيمة الدينار أمام الدولار.

ومن هنا تبرز انتقادات تدعو إلى مراجعة أولويات الإنفاق العام، ومعالجة الهدر والفساد، وتحسين إدارة الموارد قبل اللجوء إلى تقليص مسؤولية الدولة عن تمويل الخدمات الأساسية.

فالتعليم العام لا يحقق عائدا ماليا مباشرا لكل نفقاته، ولا يمكن قياس قيمته بما تجنيه الجامعة من رسوم أو إيرادات استثمارية فقط. إذ تمتد منافعه إلى المجتمع بأكمله، من خلال إعداد الكفاءات وتطوير المعرفة وتوسيع فرص العمل وتحسين مستويات الإنتاجية.

كما أن ربط استدامة الجامعات بقدرتها على توليد الإيرادات يثير إشكالية تتعلق بالتفاوت بين المؤسسات نفسها. فالجامعات الواقعة في مراكز اقتصادية كبيرة، أو التي تستطيع تقديم خدمات استشارية وتسويقية أكثر، قد تكون أقدر على جمع الموارد من جامعات تعمل في محافظات أقل نشاطا اقتصاديا أو في تخصصات محدودة العوائد التجارية.

وبذلك، قد تنتقل الفوارق من مستوى الأسر إلى مستوى الجامعات أيضا، فتتمكن مؤسسات من تطوير بنيتها وبرامجها، بينما تواجه أخرى صعوبات في توفير متطلبات التشغيل والبحث العلمي.

استقلالية الجامعات أم انسحاب الدولة؟

ولا ينظر الأكاديمي حسن الموسوي إلى التحول نحو التمويل الذاتي باعتباره سلبيا بالضرورة، لكنه يشدد على أن نجاحه يتطلب منح الجامعات استقلالية فعلية في إدارة شؤونها المالية والإدارية، وتعديل التشريعات والقيود التي تحد من قدرتها على اتخاذ القرارات.

ويرى الموسوي أن الانتقال ينبغي أن يتم تدريجيا، عبر فترة انتقالية لا تقل عن خمس سنوات، تبدأ بمنح الصلاحيات وتغيير الأطر القانونية، لا بقطع التمويل الحكومي ثم مطالبة الجامعات بتدبير احتياجاتها بنفسها.

ويكشف هذا الطرح عن فارق جوهري بين مفهومين كثيرا ما يجري الخلط بينهما: استقلالية الجامعة في إدارة مواردها واتخاذ قراراتها، وانسحاب الدولة من مسؤولية تمويلها.

فقد تكون الجامعة مستقلة إداريا وماليا، مع استمرار الدولة في توفير التمويل الأساسي وضمان مجانية التعليم؛ كما يمكن أن يُستخدم شعار الاستقلال المالي لتبرير نقل النفقات إلى الطلبة وتوسيع الأنشطة المدفوعة. والنتيجة الاجتماعية لكل نموذج تختلف عن الآخر.

لذلك، فإن منح الجامعات صلاحيات أوسع لا يحسم وحده مسألة العدالة في الوصول إلى التعليم، ما لم يقترن بضمانات تمويلية تحمي الطلبة من محدودي الدخل وتمنع تحويل الموارد المالية للأسرة إلى معيار غير معلن للحصول على الفرص التعليمية.

الدراسة المسائية والموازي.. توسع القنوات المدفوعة

ويشير الدكتور سلمان هاشم إلى أن الجامعات الحكومية تعتمد بصورة متزايدة على إيرادات الدراسة المسائية والتعليم الحكومي الخاص (الموازي)، فضلا عن الأنشطة الاستشارية، في ظل ما يصفه بتراجع دور التمويل الحكومي في تغطية احتياجات المؤسسات الجامعية.

ويلفت هاشم إلى ارتفاع أعداد المقبولين عبر بعض القنوات المدفوعة، مقارنة بما كانت عليه سابقا، وإلى وصول أعداد طلبة الدراسة المسائية في بعض الكليات إلى مستويات تقارب أعداد طلبة الدراسة الصباحية.

وتثير هذه المؤشرات تساؤلات بشأن المسار الذي يتجه إليه التعليم الحكومي، ولا سيما عندما تتوسع البرامج التي يتحمل الطلبة تكاليفها بالتزامن مع الحديث عن التحول إلى التمويل الذاتي.

ومن زاوية طبقية، تكمن المسألة في أن وجود مقعد دراسي لا يعني بالضرورة توافر فرصة متكافئة للحصول عليه؛ إذ قد تتوافر الفرصة نظريا، بينما تتوقف إمكانية الاستفادة منها عمليا على ما تستطيع الأسرة دفعه.

ومع ذلك، فإن التوسع في قنوات الدراسة المدفوعة لا يعني تلقائيا إلغاء التعليم المجاني أو أن جميع الجامعات ستتبع النموذج نفسه. فذلك يتوقف على تفاصيل المقترح، وحجم التمويل الحكومي الذي سيستمر، والضوابط التي ستحدد الرسوم ومصادر الإيرادات.

أي نموذج للتعليم في العراق؟

إن النقاش بشأن التمويل الذاتي لا ينبغي أن ينحصر في قدرة الجامعات على تغطية نفقاتها، بل يجب أن يشمل نوع النظام التعليمي الذي يراد بناؤه، والفئات الاجتماعية التي سيخدمها، والضمانات التي ستمنع اتساع الفوارق في فرص التعليم.

فإذا كان الهدف تحسين الكفاءة المالية والإدارية، فإن ذلك يتطلب إصلاح أساليب الإنفاق، ومكافحة الهدر، وتطوير الإدارة الجامعية وتنويع الموارد، مع الحفاظ على مسؤولية الدولة عن تمويل التعليم الأساسي وضمان الوصول العادل إليه.

أما إذا انتهى التحول إلى تحميل الجامعات مسؤولية نفقاتها من دون تمويل حكومي كافٍ، فقد تتزايد الضغوط نحو توسيع الرسوم والقنوات المدفوعة، لتصبح الأسر مصدرا لتعويض النقص في الموارد العامة.

وتبقى الأسئلة الحاسمة أمام الجهات المعنية هي: هل سيبقى القبول الصباحي الحكومي مجانيا؟ ومن سيتحمل رواتب التدريسيين والموظفين والنفقات التشغيلية؟ وما الضمانات التي ستمنع تفاوت فرص التعليم بين أبناء العائلات بحسب دخولهم؟ وكيف ستُموّل الجامعات التي لا تستطيع توليد إيرادات كافية من السوق؟

فالتعليم الجامعي ليس امتيازا ينبغي أن يتسع لمن يستطيع الدفع ويضيق أمام من يعجز عنه، بل حق اجتماعي ترتبط به فرص الأفراد في تحسين أوضاعهم والمشاركة في الحياة الاقتصادية.

وعليه، فإن الاختبار الحقيقي لأي إصلاح في تمويل الجامعات لا يكمن في مقدار ما تستطيع المؤسسة تحصيله من المال، بل في قدرتها على توفير تعليم جيد ومتاح للجميع، من دون أن تتحول الفوارق في الدخل إلى فوارق دائمة في فرص التعلم والحياة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى