
استيقظت بغداد على أجواء احتفالات “يوم السيادة العراقي”، بالتزامن مع الإعلان الرسمي عن انتهاء مهمة قوات التحالف الدولي وانسحابها من العراق، في محطة تحمل أبعادا سياسية وأمنية تتجاوز مجرد خروج القوات الأجنبية.
ومع طي صفحة الوجود العسكري للتحالف، يرى محللون سياسيون أن إحدى أبرز الحجج التي كانت تستند إليها الفصائل المسلحة الرافضة لتسليم سلاحها قد سقطت، والمتمثلة بوجود القوات الأجنبية في البلاد، ما يضع ملف حصر السلاح بيد الدولة أمام استحقاق جديد، ويطرح تساؤلات بشأن مدى استعداد تلك الفصائل للانخراط في المسار الذي حددته الحكومة.
المحلل السياسي رافد العطواني، يرى أن يوم السيادة رفع جزءا من الحجج أمام الفصائل التي رفضت تسليم سلاحها ولم تنخرط بصفوف القوات الأمنية، مبينا أن الحكومة العراقية وضعت توقيتات واضحة لهذا الملف، وشكلت لجنة للتباحث مع الجماعات التي ما زالت ترفض تسليم سلاحها، والتي تطرح بدورها عددا من الاشتراطات.
وقال العطواني لـ”طريق 24″ إن الموعد الآخر والأخير المطروح لحسم ملف السلاح هو حزيران عام 2027، مشيرا إلى أن الحكومة تعمل وفق برنامج حكومي يتطلب تنظيم السلاح وإنهاء وجود أي سلاح لا يخضع لأوامر القائد العام للقوات المسلحة.
وأضاف أن الحكومة العراقية لديها التزامات وجهود دبلوماسية مع دول العالم، ولا يمكنها تنفيذ برنامجها الداخلي والخارجي في ظل وجود سلاح غير منضبط أو سلاح لا يمر بأمر القائد العام للقوات المسلحة، لافتا إلى أن جزءاً من هذا السلاح، يستخدم لأغراض سياسية واقتصادية.
ويرى العطواني أن وجود أذرع مسلحة لبعض القوى السياسية يمثل، أحد العوائق أمام مكافحة الفساد وتنظيم العملية السياسية، مبينا أن إزالة السلاح خارج إطار الدولة من شأنها إعادة ترتيب العمل السياسي ورفع الشبهات والمثالب عن العملية الديمقراطية، خصوصاً في ظل وجود أحزاب تمتلك أذرعاً مسلحة.
وشدد على أهمية أن تكون علاقات العراق مع دول العالم قائمة على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في القرارات الاستراتيجية العراقية، وأن تكون الحكومة العراقية صاحبة القرار الداخلي والخارجي، بعيداً عن وجود أكثر من مصدر للقرار.
من جانبه، قال مدير مركز الرصد للدراسات الاستراتيجية محمد غصوب إن يوم 30 أيلول يمثل محطة مهمة في مسار خروج قوات التحالف من العراق، وفق الاتفاق الأمني المبرم بين الحكومة العراقية والتحالف الدولي، مشيراً إلى أن الفصائل المسلحة كانت تصف هذه القوات في مراحل سابقة بأنها قوات احتلال.
وأضاف غصوب في حديثه لـ”طريق 24” أن زيارة رئيس الوزراء علي زيدي إلى الأمم المتحدة والاتفاقات المتعلقة بوجود القوات الأجنبية، إلى جانب ما طرح بشأن انسحاب القوات التركية من العراق، سحبت من الفصائل المسلحة عاملين كانت تستخدمهما لتبرير استمرار وجود السلاح خارج إطار الدولة، وهما وجود قوات التحالف والقوات الأمريكية، وكذلك وجود القوات التركية.
وأوضح أن انتهاء مهمة التحالف الدولي وخروج القوات الأمريكية، إلى جانب الاتفاق على انسحاب القوات التركية خلال الفترة المقبلة، يعني أن الحكومة العراقية أصبحت أمام مواجهة مباشرة مع ملف الفصائل المسلحة وسلاحها، بعيدا عن الحجج المرتبطة بوجود قوات أجنبية داخل الأراضي العراقية.
وأشار غصوب إلى أن البيان الأخير الذي أصدرته كتائب حزب الله في العراق كان شديد اللهجة تجاه الحكومة، وتضمن رفضا لتسليم السلاح، فضلا عن دعوات مرتبطة بتغيير الحكومة، معتبرا أن هذه المواقف تعكس حجم التعقيد الذي يواجه ملف حصر السلاح بيد الدولة.
وبحسب غصوب، فإن الفصائل المسلحة أمام مسارين؛ الأول هو الالتزام بما جرى التباحث بشأنه مع الحكومة واللجنة التي شكلت لهذا الغرض، وصولا إلى حصر السلاح بيد الدولة بحلول حزيران 2027، أو الانتقال إلى مسار آخر في حال استمرار الرفض.
ولفت إلى أن الحديث عن تسليم السلاح إلى هيئة الحشد الشعبي يطرح مسألة مختلفة، خصوصا بعد إقرار مجلس الوزراء قانون الحشد وإحالته إلى مجلس النواب لاستكمال الإجراءات التشريعية، مبينا أن إقرار القانون يمكن أن يرسم إطارا قانونيا جديدا لعمل الهيئة ويضع اشتراطات والتزامات تتعلق بطبيعة عملها وارتباطها بالقائد العام للقوات المسلحة.
وأوضح أن هذا المسار قد ينهي، من الناحية القانونية، الإشكالية المتعلقة بوجود فصائل تعمل في إطار الحشد الشعبي خلال النهار وتمارس نشاطا مسلحاً خارج الإطار الرسمي في أوقات أخرى، بحسب وصفه، إلا أنه أشار في الوقت نفسه إلى وجود قناعات لدى أطراف سياسية بأن تطبيق مبدأ وحدة القرار العسكري قد يواجه صعوبات.
وبين غصوب أن التحدي الأساسي لا يتعلق فقط بإضفاء الصفة القانونية على هيئة الحشد الشعبي، وإنما بمدى التزام جميع التشكيلات بقرار القائد العام للقوات المسلحة، في ظل وجود مرجعيات متعددة للفصائل، وهو ما قد يجعل تطبيق مبدأ حصر القرار العسكري بيد الدولة أكثر تعقيداً.
وبذلك، يضع انتهاء وجود القوات الأجنبية في العراق ملف السلاح أمام مرحلة جديدة، بعدما تراجعت الحجج المرتبطة بوجود تلك القوات، فيما يبقى الاختبار الأساسي أمام الحكومة والفصائل هو مدى القدرة على تنفيذ مبدأ حصر السلاح والقرار الأمني والعسكري بيد الدولة، وصولا إلى الموعد المحدد في حزيران 2027.



