
في العراق، لا تنتهي أزمة الراتب عند موعد صرفه؛ فالموظف يواجه ضغوطا مزدوجة، تبدأ بدخل تتآكل قدرته الشرائية أمام ارتفاع تكاليف المعيشة، ولا تنتهي عند تأخر الصرف وما يترتب عليه من اضطراب في الإيجار والفواتير والاحتياجات اليومية. وبين راتب لا يمتد إلى نهاية الشهر وآخر ينتظر موعد وصوله، تتسع الضغوط على الأسر التي تعتمد على دخل شهري واحد.
راتب يتآكل قبل نهاية الشهر
بالنسبة إلى كثير من الموظفين، لا يعني موعد استلام الراتب انتهاء الضائقة المالية، بل بداية دورة جديدة من الإنفاق الإجباري.
فارتفاع أسعار المواد الغذائية والسلع والخدمات جعل الدخل الشهري يفقد جزءا من قدرته على تغطية الاحتياجات الأساسية، حتى بالنسبة إلى موظفين يتقاضون رواتب تبدو، في ظاهرها، أعلى من الحد الأدنى للدخول.
هذه الصورة يختصرها الموظف مجتبى علوان، الذي يبلغ راتبه الشهري مليون دينار، لكنه يقول إن هذا الدخل لم يعد كافيا لتلبية متطلبات الحياة، في ظل الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة.
ويقول علوان: لـ”طريق24″: “يوم عشرة بالشهر يفرغ جيبي”. ويوضح أن معظم راتبه يذهب إلى الاحتياجات الأساسية، من دون أن يتمكن من ادخار مبلغ يمكنه الاستعانة به عند مواجهة ظرف طارئ.
ولا تتوقف المشكلة، بحسب شهادته، عند حجم الراتب، بل تمتد إلى أسعار السوق، التي يقول إنها تواصل الارتفاع، مطالبا بتشديد الرقابة على الأسواق وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، بعدما أصبحت الزيادة في الأسعار تستنزف الراتب قبل نهاية الشهر.
عندما يتأخر الراتب.. الالتزامات لا تنتظر
وإذا كان الغلاء يستنزف الراتب بعد وصوله، فإن تأخر صرفه ينقل الأزمة إلى مرحلة أخرى، لأن الالتزامات الشهرية لا ترتبط بموعد وصول الدخل.
الإيجار والفواتير ومصاريف المنزل والاحتياجات اليومية تستمر، فيما تجد الأسر التي تعتمد على راتب واحد نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها أو اللجوء إلى الاستدانة.
وهذا ما تعكسه شهادة الموظفة وفاء ناصر لـ”طريق24″، التي تقول إن تأخر صرف الراتب ينعكس مباشرة على استقرار أسرتها، خصوصا أنها تعيش في منزل بالإيجار وتعتمد بشكل كامل على الراتب الشهري.
وتوضح أن أي تأخير يضع الأسرة أمام التزامات يصعب تأجيلها، وفي مقدمتها الإيجار، فضلا عن فواتير الخدمات والمصاريف اليومية، الأمر الذي يدفعهم أحيانا إلى الاستدانة أو تأجيل بعض الاحتياجات الأساسية إلى حين وصول الراتب.
وبالنسبة إلى ناصر، فإن انتظام الصرف ليس مسألة إدارية فحسب، بل جزء من الاستقرار المالي للأسرة، لأن غالبية الالتزامات الشهرية تُبنى على موعد محدد لاستلام الراتب، وأي تغيير فيه يربك ميزانية الأسرة ويزيد الضغط الاقتصادي عليها.
وهكذا، يجد المواطن نفسه أمام ضغطين متزامنين، أسعار لا تنتظر، وراتب صار يتأخر كما حدث في الشهر الماضي، وفي الحالتين، تكون الأسرة هي الحلقة التي تتحمل أثر الأزمة.
كم يحتاج الراتب حتى يكفي؟
لا تتعلق أزمة الرواتب بقيمة الدخل الاسمية وحدها، بل بما يستطيع هذا الدخل تأمينه فعليا.
وفي هذا السياق، يرى الخبير المالي والمصرفي مصطفى حنتوش أن نتائج التعداد السكاني الأخير حددت 175 ألف دينار بوصفها خطا لكفاية المعيشة، معتبرا أن من يتقاضى هذا المبلغ أو أكثر يقع فوق خط الفقر، فيما لا يوفر الدخل الأقل منه احتياجات الأسرة.
لكن حنتوش يذهب خلال حديثه مع “طريق24” إلى تقدير مختلف عند الحديث عن الراتب الذي يمكن أن يوفر مستوى معيشيا أكثر ملاءمة، إذ يرى أن الحد الأدنى المناسب للراتب ينبغي ألا يقل عن 750 إلى 800 ألف دينار شهريا، بما يساعد على تجاوز مستويات الفقر وتحسين القدرة المعيشية للمواطنين.
وبين الرقمين، تبدو المشكلة أكثر تعقيدا من مجرد تحديد حد أدنى للراتب. فالدخل الذي يتقاضاه الموظف أو المتقاعد يرتبط بسلسلة من النفقات الثابتة والمتغيرة، فيما يؤدي ارتفاع تكاليف المعيشة إلى تقليص المساحة المتاحة أمام الأسرة للادخار أو مواجهة الطوارئ.
ويؤكد حنتوش أن الرواتب، ولا سيما رواتب المتقاعدين وذوي الدخل المحدود، تحتاج إلى إعادة نظر بما يتناسب مع معدلات التضخم، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن أي تعديل في الرواتب يحتاج إلى سيولة وإيرادات كافية للدولة.
هل زيادة الرواتب حل أم عبء ؟
أن زيادة الرواتب قد يبدو الحل الأمثل أمام تراجع القدرة الشرائية، لكنه يصطدم بمشكلة أوسع تتعلق بقدرة الدولة على تمويل الزيادات بصورة مستدامة.
وبحسب حنتوش، تواجه الدولة أزمة في الإيرادات نتيجة تراجع الموارد المالية وقلة الإيرادات غير النفطية، وهو ما يجعل زيادة الرواتب أكثر تعقيدا، رغم الحاجة الفعلية إليها.
وهذا يعني أن معالجة أزمة الدخل لا يمكن أن تقوم على زيادة الرواتب وحدها. فكل زيادة لا ترافقها سياسات للسيطرة على كلفة المعيشة قد تفقد جزءا من أثرها، بينما يبقى تأخر الصرف مشكلة مستقلة تضرب الأسرة حتى عندما يكون الراتب نفسه قائما.
ولهذا يطرح حنتوش مجموعة من الحلول الموازية، بينها تنفيذ مشروع المليون وحدة سكنية الذي أعلنه رئيس الوزراء، وتوفير قروض إسكانية ميسرة، إلى جانب استمرار السلة الغذائية وبرامج الرعاية الاجتماعية، باعتبار أن تخفيف كلفة السكن والدعم المباشر يمكن أن يقللا من الضغط الواقع على دخل الأسرة.
راتب يتأخر.. وغلاء لا ينتظر
في النهاية، لا تبدو أزمة الراتب في العراق مشكلة مرتبطة بقيمة الدخل وحدها، ولا بموعد صرفه فقط، وإنما بالضغط الذي ينتج عن اجتماعهما معا. فالموظف الذي يصل راتبه في موعده يواجه، بحسب الشهادات التي أوردها المتحدثون في هذا التقرير، ارتفاعا مستمرا في كلفة الاحتياجات الأساسية، بينما يجد الموظف الذي يتأخر راتبه نفسه أمام التزامات لا يمكن تأجيلها.
وتكشف شهادة وفاء ناصر أن التأخير قد يدفع الأسرة إلى الاستدانة أو تأجيل بعض الاحتياجات، فيما تختصر عبارة مجتبى علوان “يوم عشرة بالشهر يفرغ جيبي” جانبا آخر من المشكلة، يتمثل في سرعة استنزاف الدخل بعد استلامه.
وبذلك، تتحول مسألة الراتب من موعد شهري ينتظره الموظف إلى مؤشر على قدرة الأسرة العراقية على الحفاظ على استقرارها المالي. فحين ترتفع الأسعار، يتقلص ما يمكن أن يغطيه الدخل، وحين يتأخر الصرف، تتراكم الالتزامات قبل وصوله.
المشكلة ليست في الراتب وحده
وبين راتب لا يكفي حتى نهاية الشهر وراتب يتأخر عن موعده، يجد المواطن نفسه أمام أزمة مزدوجة تتجاوز حدود الدخل الشهري. فالأسرة تحتاج إلى راتب منتظم تستطيع أن تبني عليه التزاماتها، وتحتاج في الوقت نفسه إلى دخل يحافظ على قدرته الشرائية أمام تكاليف المعيشة.
وبين هذين الشرطين، يبقى السؤال الأهم ليس فقط متى يصل الراتب؟ أو كم تبلغ قيمته؟، بل ما إذا كان قادرا، عندما يصل، على تأمين حياة مستقرة حتى نهاية الشهر أم لا؟



