
تعتزم إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قطع المساعدات العسكرية المقدمة إلى قوات البيشمركة، التابعة لحكومة إقليم كردستان العراق، وفقًا لأربعة مصادر مطلعة على الأمر نقلت عنها هيئة الإذاعة البريطانية (BBC).
وأبلغت وزارة الدفاع الأمريكية قادة حكومة إقليم كردستان خلال اجتماعات حديثة أن واشنطن لا تعتزم تجديد اتفاقية المساعدة الأمنية المقرر انتهاء سريانها، والتي توفر دعمًا أمنيًا لقوات البيشمركة، بحسب ما أوردته BBC نقلًا عن مسؤولين اثنين شاركا في المحادثات ومصدرين آخرين على اطلاع مباشر بالمناقشات. وتحدثت المصادر الأربعة شريطة عدم الكشف عن هوياتها.
ويخشى مسؤولون أكراد أن يؤدي وقف التمويل إلى إضعاف قوات البيشمركة في وقت لا تزال فيه منقسمة على أسس حزبية، فيما يرى محللون أن إنهاء المساعدة سيقوض شريكا للولايات المتحدة منذ فترة طويلة في العراق، وسيبعث برسالة مفادها أن واشنطن لا يمكن الاعتماد عليها في دعم حلفائها الإقليميين.
توحيد البيشمركة.. عقد من المواعيد النهائية غير المنجزة
يأتي احتمال فقدان التمويل الأمريكي في ظل أحد أبرز الخلافات العالقة داخل قوات البيشمركة نفسها، إذ لا تزال القوات منقسمة بين وحدات موالية للحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP) والاتحاد الوطني الكردستاني (PUK)، رغم سنوات من الجهود المدعومة أمريكيًا لدمجها تحت قيادة موحدة لحكومة إقليم كردستان.
وحدد مذكرة تفاهم أُبرمت عام 2022 بين وزارة الدفاع الأمريكية ووزارة شؤون البيشمركة في إقليم كردستان، أيلول 2026 موعدا نهائيا لاستكمال دمج قوات البيشمركة بشكل كامل تحت قيادة الوزارة الموحدة. وقد انقضى هذا الموعد فعليا دون اكتمال عملية الدمج.
وأُعيد تنظيم الوحدة 80 التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني والوحدة 70 التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني رسميا ضمن قيادتين إقليميتين تحت مظلة الوزارة، إلا أن محللين ومسؤولين أكراد يقولون إن إعادة الهيكلة كانت إدارية إلى حد كبير ولم تكن جوهرية، إذ لا تزال قوات كل فصيل تتلقى أوامرها عبر سلاسل القيادة المرتبطة تاريخيا بالحزب الذي تنتمي إليه.
وقال الأمين العام السابق لوزارة البيشمركة، جبار ياور، إن قوات البيشمركة موحدة من الناحية الشكلية فقط، وإن تحقيق الاندماج الحقيقي لا يمكن فرضه من الخارج، بل يتطلب قرارًا سياسيًا داخليًا بأن القوات الخاضعة لسيطرة الأحزاب لم تعد ضرورية.
بدوره، رأى المحلل العسكري إسلام زيباري أن مرسوم التوحيد الأخير لا يعدو كونه خطوة تجميلية، في ظل غياب الرقابة البرلمانية وتعيين قيادات غير حزبية، مشيرًا إلى أنه يمنح غطاءً قانونيًا لقوات لا تزال حزبية في الممارسة العملية.
وتعود جهود التوحيد الحالية إلى اتفاق واشنطن المبرم عام 2006 بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وإلى خطة إصلاح عام 2017 حظيت بدعم الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وهولندا.
وكانت محاولة دمج سابقة بين عامي 2010 و2013 قد جمعت نحو 42 ألف عنصر من قوات البيشمركة التابعة للوحدتين الرئيسيتين، قبل أن تتعثر العملية بسبب التوترات السياسية والحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عام 2014.
وانخفض التمويل الأمريكي لرواتب البيشمركة بشكل حاد خلال السنوات الأخيرة، من 135 مليون دولار عام 2024 إلى 60 مليون دولار عام 2025، فيما تسعى مقترحات موازنة السنة المالية 2027 الأمريكية إلى إلغاء الدعم المباشر للرواتب بالكامل.
وكانت “بيريغراف” قد أفادت سابقا بأن وزارة البيشمركة حددت نهاية عام 2026 موعدا نهائيا لاستكمال إعادة توحيد القوات، مع إقرار رئيس إقليم كردستان ووزير البيشمركة شورش إسماعيل ببطء وتيرة التقدم، ودعوتهما الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني إلى دعم العملية.
ويقول مسؤولون ومحللون أكراد إن هذا الانقسام الداخلي، أكثر من أي ضغط خارجي، هو ما يجعل إقليم كردستان أكثر عرضة للمخاطر مع تراجع الدعم الأمريكي؛ فالقوة التي لا تزال منظمة وفق هيكلين حزبيين متنافسين يصعب تمويلها وتسليحها والدفاع عنها باعتبارها مؤسسة واحدة ذات مصداقية.
انتهاء الاتفاقية وانسحاب القوات
من المقرر أن تنتهي مذكرة التفاهم التي توفر المساعدة الأمنية للبيشمركة في 30 أيلول المقبل، وهو اليوم نفسه الذي يفترض أن تنسحب فيه القوات الأمريكية وبقية قوات التحالف من العراق.
وسيؤدي الانسحاب رسميا إلى إنهاء الحملة العسكرية الدولية ضد تنظيم داعش، التي قاتلت خلالها قوات البيشمركة إلى جانب قوات التحالف.
ومن المقرر أيضا إغلاق آخر قاعدة عسكرية أمريكية في العراق، الواقعة في أربيل، الشهر المقبل بعد مغادرة قوات التحالف.
وحصلت قوات البيشمركة في السنة المالية 2026 على 61 مليون دولار لشراء الأسلحة والتدريب ودفع المخصصات، من خلال برنامج البنتاغون لمكافحة داعش.
وكانت وزارة الدفاع الأمريكية قد اقترحت في طلب موازنة السنة المالية 2027 إلغاء جميع المساعدات الأمنية المقدمة للبيشمركة، بحجة أن التمويل لم يعد ضروريا بعد هزيمة داعش، إلا أن خطة الإنفاق لا تزال معلقة في ظل خلاف أوسع بشأن الموازنة داخل الكونغرس.
وبحسب مصادر BBC، أبلغ مسؤولون في وزارة الدفاع الأمريكية مسؤولين عراقيين وأكرادا خلال محادثات حديثة أن الولايات المتحدة لا تعتزم تمديد مذكرة التفاهم.
وكان البنتاغون قد وقع مذكرة التفاهم الأصلية عام 2016 وجددها عام 2022. وقال مصدر مطلع على توجهات الوزارة إن القرار النهائي بشأن التعاون الأمني بين الولايات المتحدة وإقليم كردستان لا يزال قيد المراجعة، وإن واشنطن تبحث سبل الإبقاء على قدر من الدعم الأمني في العراق وإقليم كردستان بعد انسحاب القوات.
ردود الفعل الرسمية
رفضت حكومة إقليم كردستان التعليق على الأمر، وفقا لـBBC.
وأحال البيت الأبيض BBC إلى وزارة الدفاع الأمريكية، التي أشارت بدورها إلى بيان يلخص اجتماعا عقد في تموز الماضي بين وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي.
وقال بيان البنتاغون إن الولايات المتحدة والعراق وشركاء التحالف حققوا نجاحا كبيرا في هزيمة داعش، وإن القوات الأمنية العراقية، بما فيها قوات البيشمركة وقوات الأمن الأخرى في إقليم كردستان، ستتولى الآن قيادة المعركة ضد الجماعات المسلحة المتبقية في العراق.
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية لـBBC إن واشنطن لا تزال تركز على تنفيذ انسحاب القوات، وعلى ضمان تمكين الزيدي من نزع سلاح الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران وحماية سيادة العراق.
ويأتي احتمال إنهاء المساعدات الأمنية للبيشمركة بعد أقل من عام على افتتاح الولايات المتحدة أكبر قنصلية لها في العالم في أربيل.
وخلال مراسم افتتاح المجمع، الذي بلغت كلفته 800 مليون دولار في كانون الأول الماضي، قال مسؤول بارز في وزارة الخارجية الأمريكية، مايكل ريغاس، إن القنصلية تمثل دليلا على أهمية العلاقة بين الولايات المتحدة وإقليم كردستان.
انسحاب القوات.. ودروس التجربة السابقة
جاءت المناقشات الأخيرة بشأن الأمن الكردي في إطار محادثات أوسع بين واشنطن وبغداد وأربيل حول الانسحاب المرتقب للقوات الأمريكية، وفقًا لاتفاق أبرم بين الولايات المتحدة والعراق عام 2024.
وكانت القوات الأمريكية المقاتلة قد غادرت العراق عام 2011، قبل أن تعود بعد أن أسهم فراغ القوة الناتج عن الانسحاب في صعود تنظيم داعش عام 2014.
وقال جيمس جيفري، الذي قاد التحالف الدولي ضد داعش خلال الولاية الأولى لترامب، وشغل سابقا منصبي السفير الأمريكي لدى العراق وتركيا، لـBBC إن استمرار دعم البيشمركة سيكون إنفاقا مجديا، مستشهدا بتداعيات انسحاب عام 2011.
ولم تكشف إدارة ترامب عن عدد القوات الأمريكية التي لا تزال موجودة في العراق ضمن مهمة مكافحة داعش، إلا أن خبراء يقدرون العدد بأقل من 1000 جندي، مقارنة بذروة بلغت 170 ألف جندي خلال حرب العراق.
وبحسب BBC، شارك البيت الأبيض ووزارتا الدفاع والخارجية في الاجتماعات الأخيرة المتعلقة بالأمن العراقي، فيما يتولى توم باراك، السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى العراق وسوريا، دورًا رئيسيًا في تمثيل واشنطن بشأن العراق.
وقالت الإدارة الأمريكية إنها منفتحة على إبرام اتفاقية أمنية ثنائية مع العراق، كما ناقش البلدان إمكانية عقد اتفاق دفاعي خلال المحادثات الأخيرة، إلا أنه لا يزال من غير الواضح شكل مثل هذا الاتفاق والدور الذي سيؤديه إقليم كردستان فيه.
وكان الزيدي، الذي انتُخب في أيار الماضي، قد التقى ترامب وهيغسيث وعددًا من أعضاء الكونغرس في البيت الأبيض الشهر الماضي، وأشاد بانسحاب القوات الأمريكية، قائلا إن الأول من تشرين الأول سيشكل يومًا جديدًا للعراق مع خلو البلاد من الوجود العسكري الأجنبي.



