
يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إعادة تشكيل النفوذ الأمريكي في العراق عبر بوابة النفط والاستثمارات، رغم الانسحاب العسكري الذي أعلنته واشنطن في 30 أيلول الماضي، في استراتيجية تراهن على الضغط السياسي والاقتصادي لفتح قطاع الطاقة العراقي أمام الشركات الأمريكية، لكنها تواجه شكوكاً بشأن فرص نجاحها ومخاطر تفاقم نفوذ الفصائل المسلحة واحتمالات عدم الاستقرار.
ووفقاً لمقال نشره موقع “فورين بوليسي” للكاتب إدوارد هانت، فإن إدارة ترامب تعمل منذ أشهر على تأسيس مرحلة جديدة من العلاقات مع بغداد، تستبدل فيها الوجود العسكري المباشر بأدوات النفوذ الاقتصادي والسياسي، مستفيدة من الضغوط التي مارستها على الحكومة العراقية خلال عملية اختيار قياداتها الجديدة.
النفط بوابة النفوذ الأمريكي
يشير المقال إلى أن واشنطن تدخلت في المسار السياسي العراقي لمنع رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي من العودة إلى السلطة، وتهيئة الطريق أمام رجل الأعمال علي الزيدي لتولي رئاسة الحكومة، بالتزامن مع إجراءات ضغط شملت تعليق تمويل القوات الأمنية العراقية المسؤولة عن حماية المسؤولين الحكوميين، ومنع بغداد من تسلّم عائدات مبيعات النفط المودعة في حسابات لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
وبحسب المقال، قدمت الإدارة الأمريكية هذه الإجراءات باعتبارها وسيلة لإبعاد العراق عن إيران، لكنها راهنت في الوقت نفسه على الزيدي لفتح قطاع النفط أمام الشركات الأمريكية، قبل أن تعيد تحويل عائدات النفط إلى الحكومة العراقية، في خطوة عززت موقف رئيس الوزراء الجديد.
وفي تموز الماضي، برز هذا التوجه خلال استقبال ترامب للزيدي في البيت الأبيض، حيث أعلن الجانبان إقامة شراكات نفطية جديدة، فيما قال الرئيس الأمريكي إن الشركات النفطية الأمريكية تدخل العراق بمستويات غير مسبوقة.
وبعد أيام، استضافت غرفة التجارة الأمريكية قمة اقتصادية بمشاركة مسؤولين أمريكيين وعراقيين، لبحث صفقات تجارية واستثمارية تتجاوز قيمتها 60 مليار دولار، شملت شركات طاقة أمريكية كبرى، بينها «شيفرون» و«كونوكو فيليبس».
واحتفى وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت بهذه التحركات، معتبراً قادة الأعمال في طليعة الجهود الرامية إلى توسيع الاستثمارات والشراكات مع العراق.
الفصائل المسلحة تهدد الرهان الأمريكي
لكن الرهان على النفط والاستثمارات لا يخلو من العقبات، إذ يشكك مسؤولون وخبراء أمريكيون سابقون في قدرة إدارة ترامب على تحقيق أهدافها، في ظل استمرار نفوذ الفصائل المسلحة وتعقيدات إخضاعها لسلطة الدولة.
وخلال منتدى استضافه المجلس الأطلسي في أيلول، حذر مشاركون من صعوبة نزع سلاح الفصائل، ولا سيما تلك التي تتلقى دعماً من إيران، مشيرين إلى أن الزيدي أجّل الموعد النهائي الأولي لنزع سلاحها رغم تعهده بإخضاعها لسلطة الحكومة.
ونقلت “فورين بوليسي” عن السفيرة الأمريكية السابقة لدى العراق ألينا رومانوسكي قولها إن الفصائل المسلحة لا تزال تمثل قوى مؤثرة داخل البلاد، وإن ضغوطها، إلى جانب رغبة الحكومة العراقية في إخراج القوات الأمريكية سريعاً، أسهمت في دفع واشنطن نحو الانسحاب العسكري.
وحذرت رومانوسكي من أن استمرار نشاط هذه الفصائل سيجعل دخول الشركات الأمريكية إلى العراق أكثر صعوبة وكلفة، خصوصاً إذا لم تتمكن الحكومة من فرض سيطرتها عليها.
من جانبه، أعرب أندرو تابلر، المسؤول السابق في إدارة ترامب، عن أسفه لفقدان الولايات المتحدة القدرة على تنفيذ تدخلات عسكرية سريعة ومباشرة ضد الفصائل داخل العراق، موضحاً أن تنفيذ عمليات من دول مجاورة سيظل خاضعاً لمواقف الدول المضيفة.
واعتبر تابلر أن سحب القوات يؤدي إلى فقدان القدرة المباشرة على التأثير في ميزان القوى، فيما شكك المشاركون في المنتدى بمدى اتساق الانسحاب العسكري مع خطط توسيع العلاقات التجارية والاستثمارية، محذرين من أن تشجيع الاستثمارات بالتزامن مع إنهاء العلاقة الأمنية يطرح تساؤلات بشأن تداعيات هذه السياسة.
مخاوف من تفكك العراق
ولا تقتصر المخاوف على الخبراء والمسؤولين السابقين، إذ يشير المقال إلى وجود قلق داخل إدارة ترامب نفسها من احتمالات فشل الاستراتيجية الأمريكية، رغم تأييد هدف فتح قطاع النفط أمام الشركات الأمريكية.
وفي هذا السياق، حذر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو من خطر «بلقنة» العراق، أي تفككه إلى كيانات متنازعة، مشدداً على ضرورة منع وجود قوى مستقلة تعمل خارج سلطة الدولة وتدفع البلاد نحو الانقسام.
كما شكك تابلر في وجود تخطيط استراتيجي متكامل للسياسة الأمريكية تجاه العراق، مشيراً إلى أن بعض الخطط المتعلقة بقطاع النفط العراقي تبدو بعيدة عن الواقع، سواء في واشنطن أو خارجها.
وتعكس هذه التحذيرات، وفقاً للمقال، فجوة بين طموحات إدارة ترامب الاقتصادية وقدرتها على توفير الظروف الأمنية والسياسية اللازمة لتحقيقها، في بلد ما زالت فيه قوى مسلحة مؤثرة وتتعقد فيه موازين النفوذ الداخلي والإقليمي.
حرب إيران تضاعف التحديات
وتتزامن هذه الصعوبات مع تداعيات الحرب الأمريكية على إيران، التي يربط المقال بينها وبين تزايد الضغوط على العراق، خصوصاً في ظل اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات العالمية لنقل النفط.
وبحسب المقال، فإن الغموض المحيط بحركة العبور في المضيق فرض تحديات على الدول المعتمدة عليه في صادراتها النفطية، ومنها العراق، الذي يواجه ضغوطاً اقتصادية نتيجة تراجع صادراته وإيراداته النفطية.
وفي الوقت نفسه، تواجه واشنطن اعتراضات من حلفائها في الشرق الأوسط، بعدما قلّص بعض حلفائها العرب دعمهم للعمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران، خصوصاً عقب تعرضهم لهجمات، الأمر الذي يزيد صعوبة مواصلة العمليات العسكرية من دون دعم إقليمي واسع.
ونقل المقال عن تابلر قوله إن علاقة الجيش الأمريكي بالمنطقة باتت موضع تساؤل جدي، في إشارة إلى التداعيات التي قد تتركها الحرب على موقع الولايات المتحدة وشبكة علاقاتها الإقليمية.
تراجع الدعم الداخلي يقيّد طموحات ترامب
إلى جانب التحديات الإقليمية، تواجه إدارة ترامب صعوبات في الحفاظ على دعم الرأي العام الأمريكي للحرب، وسط تزايد الشكوك بشأن جدواها وارتفاع القلق من أسعار الوقود.
ويشير المقال إلى استمرار تأييد بعض الجمهوريين في الكونغرس وعدد من الديمقراطيين للعمليات العسكرية، مقابل اتساع المعارضة والشكوك بشأن أهداف الحرب وتكاليفها.
ويرى تابلر أن تراجع ثقة الأمريكيين بصانعي القرار الذين يقفون وراء الحروب سيجعل إقناعهم مستقبلاً بقبول خطط خارجية طموحة أكثر صعوبة.
وبذلك، يخلص المقال إلى أن الانسحاب العسكري الأمريكي لا يعني بالضرورة نهاية مساعي واشنطن للتأثير في العراق، بل قد يمثل انتقالاً إلى مرحلة تعتمد بدرجة أكبر على النفط والاستثمارات والضغوط السياسية. غير أن نجاح هذا الرهان يظل مرهوناً بقدرة الحكومة العراقية على فرض سلطة الدولة، وتوفير بيئة آمنة للاستثمارات، وبمدى قدرة الولايات المتحدة على إدارة تداعيات حرب إيران والحفاظ على نفوذها الإقليمي.



