العراقحكاياتفن وثقافة
أخر الأخبار

كردستان بعيون مصوريها.. عدسات تلتقط ملامح التنوع الثقافي وثراء الموروث وحياة الرعاة والقرى البعيدة

من مشاهد الرعاة وسط الجبال إلى تفاصيل القرى واحتفالات نوروز، ومن التنوع الديني والثقافي إلى المعالم التاريخية، يحاول معرض “من كوردستان” تقديم صورة تتجاوز جمال الطبيعة إلى تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة الاجتماعية في المنطقة. وتجمع أعمال المعرض مصورين في مساحة واحدة، تلتقي فيها رؤاهم المختلفة لتوثيق الإنسان وعلاقته بأرضه، واستعادة ملامح من موروث قد لا تحظى تفاصيله بالاهتمام الكافي.

ما وراء جمال الطبيعة.. الإنسان في قلب الصورة

تحتفظ الصور بقدرتها على توثيق تفاصيل الحياة التي قد تمر من دون أن تحظى بالاهتمام، فخلف كل مشهد حكاية إنسان، وملامح مكان، وتفاصيل يومية تختصر جانبا من ذاكرة المجتمع. وبين الجبال التي ترسم ملامح كردستان والقرى الممتدة في محيطها، تتجه عدسات المصورين إلى ما هو أبعد من المشهد الطبيعي، لتلتقط علاقة الإنسان بأرضه، وتوثق أنماط الحياة الريفية والعادات والموروث الشعبي والتنوع الثقافي والديني.

هذه التفاصيل تتصدر معرض “من كوردستان”، الذي يجمع أعمالا فوتوغرافية تتناول جوانب متعددة من حياة المجتمع الكردي، من مشاهد الرعاة في المناطق الجبلية إلى تفاصيل القرى واحتفالات نوروز، مرورا بصور تعكس التنوع الديني والثقافي، ومعالم تاريخية تحتفظ بمكانتها في ذاكرة المكان، وفي مقدمتها قلعة أربيل.

ولا تتوقف قيمة هذه الأعمال عند جماليات الصورة، بل تمتد إلى ما تكشفه من تفاصيل عن حياة السكان وعلاقتهم بالبيئة المحيطة بهم. فبدلا من الاكتفاء بالصورة السياحية المعتادة، تضع الأعمال الإنسان وتفاصيل يومه في صدارة المشهد، وتمنح الزائر فرصة لاكتشاف جوانب من الحياة المحلية قد لا تظهر في الصور العامة المتداولة عن المنطقة.

الرعاة والقرى.. تفاصيل تصنع ذاكرة المكان

في إحدى زوايا المعرض، تحضر صورة الراعي وسط الجبال بوصفها مشهدا من الحياة الريفية، حيث تتداخل تفاصيل العمل اليومي مع طبيعة المكان. وفي أعمال أخرى، تظهر القرى بملامحها وتفاصيلها، فيما تستعيد صور المناسبات الشعبية أجواء احتفالات نوروز، بما تمثله من حضور للعادات والتقاليد واستمرارها بين الأجيال.

وتكشف هذه الموضوعات عن جوانب من الحياة لا يمكن اختزالها في التضاريس والمناظر الطبيعية؛ فالجبال ليست مجرد خلفية للصورة، والقرى ليست مجرد تجمعات سكنية، بل فضاءات تشكلت فيها أنماط العيش والعلاقات الاجتماعية والممارسات الثقافية على امتداد الزمن.

كما توثق بعض الأعمال أفرادا ينتمون إلى مكونات دينية مختلفة، في محاولة لإبراز التعدد الذي يميز المجتمع، وتقديم صورة عن كردستان تتجاوز حدود الجغرافيا إلى تنوع سكانها وتجاربهم. وإلى جانب ذلك، تحضر المعالم التاريخية، وفي مقدمتها قلعة أربيل، بوصفها شاهدا على عمق الذاكرة التاريخية للمكان.

ويقول مدير مؤسسة “فريمنگ سكول” للتصوير الفوتوغرافي، سفين حميد، في حديثه لـ”طريق 24″، إن فكرة المعرض انطلقت من الرغبة في تقديم كردستان عبر صور تعكس طبيعتها وتفاصيل الحياة فيها، موضحا أن الأعمال المشاركة تتناول موضوعات متنوعة تشمل الحياة اليومية في القرى، والتنوع الديني، واحتفالات نوروز، إلى جانب المعالم التاريخية التي تمثل جزءا من هوية المنطقة.

وتجتمع هذه الموضوعات في مساحة واحدة، لتمنح الزائر فرصة الانتقال بين مشاهد الطبيعة والحياة الريفية والثقافة والتاريخ، وتقدم سردا بصريا متعدد الجوانب عن المنطقة وسكانها.

طريقة العرض.. رحلة بصرية بين مناطق كردستان

لا تقتصر تجربة المعرض على موضوعات الصور، بل تمتد إلى طريقة عرضها وتنظيمها داخل المكان. ويوضح حميد أن الأعمال وُزعت ضمن مجموعات مستقلة، وعُرض بعضها على حوامل زجاجية شفافة وبزوايا غير متوازية، بهدف خلق انسيابية في حركة الزوار وتشجيعهم على اكتشاف الصور بصورة تدريجية.

ويتيح هذا الترتيب للمشاهد التنقل بين الموضوعات من دون أن تقتصر تجربته على الوقوف أمام صور متراصة على جدار واحد؛ إذ ينتقل من مشاهد القرى والطبيعة إلى صور التنوع الديني واحتفالات نوروز والمعالم التاريخية، في رحلة بصرية تتكشف تفاصيلها مع الحركة والاقتراب من الأعمال.

ويشير حميد إلى أن طريقة توزيع الصور أسهمت في جذب الزوار وتشجيعهم على التفاعل معها، من خلال إتاحة المجال أمامهم لمشاهدتها من زوايا مختلفة واكتشاف موضوعاتها تدريجيا، بما يجعل حركة الزائر جزءا من طريقة تلقي الصور وفهمها.

وبهذا، لا يكتفي المعرض بعرض مجموعة من الصور الفوتوغرافية، بل يسعى إلى بناء تجربة يتفاعل فيها المكان مع الأعمال وحركة الجمهور، فتتعدد زوايا النظر إلى الصورة، كما تتعدد الحكايات التي تحملها.

الصورة بوصفها ذاكرة للمجتمع

في “من كوردستان”، تتجاور الطبيعة والإنسان والتاريخ والموروث الشعبي ضمن محاولة لتقديم صورة أكثر قربا من الحياة اليومية في المنطقة. فالصورة هنا ليست مجرد تسجيل للحظة عابرة، بل وسيلة لحفظ تفاصيل قد تتوارى خلف المشاهد العامة، وإبراز العلاقة بين السكان وأرضهم وما تراكم فيها من عادات وتقاليد وتجارب.

وخلال النظر الى راعٍ في الجبال، وقرية تحتفظ بملامحها، واحتفال شعبي يتجدد كل عام، ومعلم تاريخي يستحضر الماضي، تتشكل حكاية بصرية عن كردستان، يرويها أكثر من مصور، وتلتقي فيها اختلافات الرؤية عند محاولة واحدة: توثيق المكان من خلال الإنسان الذي يمنحه معناه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى