ما وراء الهروب الكبير الى سبتة.. البطالة أم رسائل سياسية إلى مدريد؟

تشهد مدينة سبتة الإسبانية واحدة من أكبر موجات الهجرة غير النظامية خلال السنوات الأخيرة، مع استمرار تدفق مئات المغاربة سباحة من سواحل الفنيدق، في مشهد أعاد فتح التساؤلات بشأن الأسباب الحقيقية التي تقف وراء ما بات يوصف بـ”الهروب الكبير”.
وبحسب تقارير حقوقية وإعلامية، فإن هذه الموجة لا ترتبط بعامل واحد، بل تأتي نتيجة تداخل أزمات اقتصادية واجتماعية وأمنية دفعت أعداداً متزايدة من الشباب، إلى جانب نساء وأطفال، إلى المخاطرة بحياتهم في البحر أملاً في الوصول إلى الأراضي الإسبانية.
وتشير الجمعية المغربية لحقوق الإنسان إلى أن تفاقم البطالة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وغياب الفرص الاقتصادية، تمثل أبرز الدوافع التي تدفع الشباب إلى الهجرة، مؤكدة أن تشديد الرقابة الأمنية على الحدود لم يحد من الظاهرة، بل دفع المهاجرين إلى سلوك طرق بحرية أكثر خطورة.
كما أسهم إغلاق وتشديد مسارات العبور التقليدية نحو سبتة ومليلية في زيادة الاعتماد على السباحة ووسائل بدائية، ما أدى إلى ارتفاع أعداد القتلى والمفقودين في البحر، وسط استمرار محاولات العبور على مدار الساعة ومن مناطق ساحلية متعددة.
وفي المقابل، انتقدت منظمات حقوقية ما وصفته بـ”الصمت الرسمي” بشأن أعداد الضحايا والمفقودين، مشيرة إلى غياب آليات فعالة للتنسيق مع الجانب الإسباني للكشف عن مصير المفقودين، والتعرف على الجثامين، وإبلاغ عائلاتهم. وترى هذه المنظمات أن المعالجة الأمنية وحدها لن تنهي الأزمة، مؤكدة أن الحد من موجات الهجرة يتطلب معالجة الأسباب البنيوية، وفي مقدمتها البطالة والتهميش وغياب البدائل الاقتصادية، إلى جانب توفير سياسات تنموية تمنح الشباب أملاً بالبقاء داخل البلاد بدلاً من المجازفة بحياتهم.
إلى جانب هذه التفسيرات، أعادت موجة العبور الجماعي فتح باب التساؤلات بشأن ما إذا كانت الأزمة تقتصر على دوافع اقتصادية واجتماعية، أم أنها تحمل أيضاً رسائل سياسية تتجاوز ملف الهجرة.
ورغم أن المنظمات الحقوقية المغربية تربط الظاهرة بالأوضاع المعيشية، برزت في الأوساط السياسية والإعلامية تحليلات ترى أن توقيت الأزمة قد لا يكون منفصلاً عن التحولات الإقليمية والدولية التي تشهدها العلاقات الإسبانية مع عدد من الأطراف.
ويستند أصحاب هذا الطرح إلى سابقة عام 2021، حين أدى الخلاف الدبلوماسي بين الرباط ومدريد إلى تخفيف الرقابة على الحدود، ما سمح بدخول آلاف المهاجرين إلى سبتة، في خطوة اعتبرها مراقبون آنذاك وسيلة ضغط سياسية على الحكومة الإسبانية.
كما يذهب بعض المحللين إلى أن الأزمة الحالية قد تُقرأ في سياق الضغوط التي تواجهها حكومة مدريد بسبب مواقفها الخارجية، ولا سيما انتقاداتها لإسرائيل ومواقفها من الحرب في غزة. إلا أنه لا توجد حتى الآن أدلة أو تصريحات رسمية تثبت وجود تنسيق أمريكي أو مغربي لاستخدام ملف الهجرة وسيلةً للضغط أو لمعاقبة إسبانيا، فيما ترجح تقارير إعلامية دولية أن الموجة الحالية نتاج تداخل عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية.



