
غادر قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير طهران قبيل منتصف ليل الثلاثاء، بعد سلسلة لقاءات مكثفة مع الرئيس الإيراني وكبار المسؤولين السياسيين والأمنيين، في زيارة لم تفض إلى إعلان اتفاق جديد، لكنها حملت مؤشرات باكستانية متفائلة بشأن فرص خفض التصعيد وإحياء المسار التفاوضي بين إيران والولايات المتحدة.
وجاءت زيارة منير في توقيت حساس، عقب اتصال هاتفي أجراه معه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفي ظل تعثر الجهود التي تقودها إسلام آباد منذ أشهر لإبقاء قنوات التواصل مفتوحة بين واشنطن وطهران، بالتزامن مع تصعيد أمريكي للضغوط الاقتصادية على إيران واستمرار الخلافات بشأن شروط التفاهم.
وخلال الزيارة، بحث منير مع القيادة الإيرانية سبل منع اتساع رقعة الصراع، وإعادة فتح مضيق هرمز، وتسريع إنهاء المواجهة، إلى جانب قضايا الأمن الإقليمي وإمكان التوصل إلى تسوية سياسية عبر التفاوض.
وأعلن الجيش الباكستاني أن مباحثات قائده مع المسؤولين الإيرانيين تناولت تدابير لمنع مزيد من التصعيد، وإعادة فتح مضيق هرمز، والتعجيل بإنهاء الصراع، فضلا عن تحقيق السلام الإقليمي ودعم الحلول التفاوضية.
اتصال ترامب قبل التوجه إلى طهران
وقبل مغادرته إلى إيران، تلقى منير اتصالا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفق مصدر أمريكي مطلع تحدث لوكالة الصحافة الفرنسية، من دون أن يكشف تفاصيل المحادثة.
وتكتسب المكالمة أهمية خاصة بالنظر إلى توقيتها، إذ جاءت في وقت وصف فيه ترامب المحادثات مع إيران بأنها معلقة، بالتزامن مع استعداد واشنطن لفرض مزيد من الضغوط على طهران.
أما إسلام آباد، فأعلنت أن زيارة منير تأتي في إطار الجهود المستمرة للمساعدة في ترسيخ السلام والأمن في المنطقة.
وتعد هذه الزيارة الثالثة لقائد الجيش الباكستاني إلى إيران هذا العام، بعدما زار طهران في نيسان وأيار، في إطار مساعي بلاده لدفع الطرفين الإيراني والأميركي نحو تفاهم يضع حداً للتصعيد.
رسائل طهران.. الثقة أولا
وخلال وجوده في طهران، التقى منير الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ورئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي، فيما حضر وزير الخارجية عباس عراقجي جانباً من لقاءاته، وفق وسائل إعلام إيرانية.
ووصف وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي، الذي رافق منير، اللقاء مع بزشكيان بأنه إيجابي ومثمر للغاية، مشيراً إلى أن النقاش تناول الصراع بين إيران والولايات المتحدة، والتوترات في الشرق الأوسط، وسبل الدفع باتجاه السلام، فضلاً عن الخطوات اللازمة لإعادة تفعيل مذكرة التفاهم التي توسطت فيها إسلام آباد تمهيداً لتسوية شاملة للصراع.
لكن طهران أبدت، في المقابل، تمسكا بشروطها.
وخلال لقاء منير مع رضائي، أكد المسؤول الإيراني أن انعدام الثقة بالولايات المتحدة ما زال قائما داعيا واشنطن إلى تغيير سلوكها واتخاذ خطوات عملية لتنفيذ الشروط الواردة في مذكرة التفاهم.
كما شدد على ضرورة أن تتولى إيران مسؤولية إدارة الأمن في مضيق هرمز، في موقف يعكس حساسية الملف بالنسبة إلى طهران، وارتباطه المباشر بأي مسار مقبل لخفض التصعيد.
واشنطن تضغط بالتزامن
وبينما كانت إسلام آباد تحاول دفع المسار التفاوضي إلى الأمام، واصلت واشنطن سياسة الضغط على طهران.
وأعلنت الإدارة الأمريكية حزمة جديدة من العقوبات استهدفت قطاعات ومجالات اقتصادية عدة، بينها الذهب والتكنولوجيا والأصول الرقمية والطيران والشحن البحري، مؤكدة عزمها قطع كل شريان اقتصادي يبقي الحكومة الإيرانية قائمة.
ووصف وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت الحزمة بأنها أقسى عقوبات في التاريخ، مشيرا إلى أنها تهدف، إلى جانب الضغوط البحرية، إلى دفع الحكومة الإيرانية نحو الانهيار.
في المقابل، وصفت الخارجية الإيرانية الإجراءات الأميركية بأنها حرب اقتصادية، فيما قال ترامب إن إيران تنهار.
وبذلك، تبدو الهوة بين الطرفين قائمة: طهران تتمسك بشروطها، وواشنطن ترفع مستوى الضغط، بينما تحاول إسلام آباد البحث عن مساحة مشتركة تسمح بإعادة إطلاق المفاوضات.
مسقط تدخل على خط هرمز
ولم تتوقف التحركات الدبلوماسية عند زيارة منير، إذ ينتظر أن يصل وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي إلى طهران لاستكمال المشاورات مع نظيره الإيراني عباس عراقجي بشأن مضيق هرمز، وفق الخارجية الإيرانية.
وتأتي الزيارة بعد إعلان طهران ومسقط، في الخامس من آب، التوصل إلى تفاهم بشأن الإحداثيات الجغرافية لممر ملاحي مقترح لعبور السفن التجارية، مع استمرار العمل على إعداد إعلان مشترك بشأنه.
وتكشف هذه التحركات أن مسار الوساطة لا يجري عبر قناة واحدة؛ فإسلام آباد تحاول إبقاء خط الاتصال السياسي مفتوحا بين واشنطن وطهران، بينما تتحرك مسقط في الملف الأكثر إلحاحا، وهو أمن الملاحة في مضيق هرمز.
وعليه، فإن مغادرة منير طهران من دون اتفاق معلن لا تعني انتهاء مهمته، بقدر ما تشير إلى استمرار محاولة باكستانية لإبقاء باب التفاوض مفتوحاً، في وقت تتسع فيه الفجوة بين شروط طهران وضغوط واشنطن.



