
بعد أربعة عشر عاما من انتهاء السنة المالية 2012، عاد ملف الحسابات الختامية إلى الجدل مع إنهاء مجلس النواب القراءة الأولى لمشروع القانون الخاص بها. ورغم أن هذه الحسابات تعد الأداة التي تكشف كيفية إدارة أموال الدولة، فإن مناقشتها بعد كل هذه السنوات تفتح الباب أمام تساؤلات عن فاعلية الرقابة، خاصة أن الوثائق الرسمية تتضمن مؤشرات تتعلق بالسلف المالية، والتجاوز على التخصيصات، وتعثر تنفيذ المشاريع، وتراكم آلاف الملاحظات الرقابية.
استحقاق دستوري وقانوني تأخر سنوات
لا يعد تقديم الحسابات الختامية خيارا إداريا، بل التزاما دستوريا نصت عليه المادة (62/أولاً) من الدستور العراقي، التي أوجبت على مجلس الوزراء تقديم مشروع قانون الموازنة العامة والحساب الختامي إلى مجلس النواب لإقراره. كما رسم قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم (6) لسنة 2019 المعدل مسارا زمنيا واضحا يبدأ بإغلاق الحسابات بعد انتهاء السنة المالية، ثم إرسالها إلى ديوان الرقابة المالية الاتحادي لتدقيقها، قبل عرضها على مجلس النواب.
ولم يقتصر الأمر على النصوص القانونية، إذ أكدت المحكمة الاتحادية العليا في قرارها بالدعوى رقم (190/اتحادية/2023) إلزام مجلس الوزراء ووزير المالية بتقديم الحسابات الختامية تنفيذاً لأحكام الدستور وقانون الإدارة المالية. ويعني ذلك أن المشرّع أراد للحسابات الختامية أن تكون أداة رقابة آنية، لا وثيقة تؤجل لسنوات طويلة، لأن قيمة الرقابة ترتبط بتوقيتها بقدر ارتباطها بمضمونها. لكن رغم ذلك، اعتادت الجهات المعنية أن تؤجل هذا الاستحقاق، وأن تضعه رهينة الصراعات السياسية، ليتحول إلى ضحية بسبب هشاشة الدور الرقابي.
إيرادات مرتفعة… واقتصاد يعتمد على النفط
تكشف بيانات الحساب الختامي أن الحكومة قدرت إيرادات عام 2012 بنحو 102.32 تريليون دينار، بينما بلغت الإيرادات الفعلية 119.81 تريليون دينار، أي بزيادة ملحوظة عن التقديرات. إلا أن هذه الأرقام تخفي حقيقة أخرى، وهي أن 92 بالمئة من الإيرادات جاءت من النفط بما يعادل 110.3 تريليون دينار، مقابل مساهمة لم تتجاوز 8 بالمئة للإيرادات غير النفطية.
وفي المقابل، بلغت النفقات الفعلية105.14 تريليون دينار من أصل تخصيصات منقحة بلغت 135.98 تريليون دينار، ما نتج عنه فائض محاسبي قدره 14.67 تريليون دينار. لكن قراءة هذه الأرقام بمعزل عن تفاصيل التنفيذ قد تكون مضللة، إذ تشير الوثائق إلى أن نسبة تنفيذ الموازنة الاستثمارية لم تتجاوز 56 بالمئة، وهو ما يعني أن جزءا كبيرا من الأموال التي رُصدت للمشاريع لم يتحول إلى مشاريع مكتملة أو خدمات ملموسة، وهذا يعكس خللا وفشلا كبيرا في تنفيذ المشاريع التي تخص حياة الناس.
ملف السلف النقدية
من أكثر المؤشرات التي تستوقف القراءة حجم السلف النقدية المتراكمة، إذ بلغ رصيدها حتى نهاية عام 2012 نحو 91.96 تريليون دينار، وهو ما يمثل 66.8 بالمئة من هيكل الموجودات المالية، بحسب الوثائق الرسمية. كما تشير البيانات إلى منح سلف بقيمة 8.67 تريليون دينار خلال العام نفسه من دون وجود تخصيصات مالية مرصودة لها، مع الإشارة إلى أنها صُرفت استنادا إلى قرارات من مجلس الوزراء أو موافقات وزير المالية، رغم وجود أخطاء محاسبية في تبويبها.
ولا تمثل هذه البيانات حكما بوقوع فساد، لكنها تطرح مؤشرات رقابية مهمة، لأن السلف بطبيعتها يفترض أن تخضع للتسوية والإطفاء ضمن مدد محددة، بينما يكشف تضخمها بهذا الحجم عن ملف مالي يحتاج إلى تفسير ومعالجة، خصوصاً مع استمرار المطالبة بتسوية سلف تعود إلى سنوات أسبق.
تجاوزات في الإنفاق ومخالفات على سقف الموازنة
وتسجل وثائق الحساب الختامي تجاوزات على التخصيصات المالية بلغت 5.9 تريليون دينار، بزيادة نسبتها 49.3 بالمئة مقارنة بعام 2011، فيما تشير إلى أن 21 وزارة وجهة حكومية أنفقت مبالغ تجاوزت ما أقره قانون الموازنة.
وتكمن أهمية هذه الأرقام في أن قانون الموازنة لا يمثل خطة إنفاق فحسب، بل يعد قانونا نافذا يحدد الحدود التي يجوز للسلطة التنفيذية الإنفاق ضمنها. وبالتالي فإن تسجيل إنفاق يتجاوز التخصيصات يعد ملاحظة رقابية تتعلق بمدى الالتزام بالقانون والانضباط المالي، بغض النظر عن المبررات التي قد تكون رافقت تلك التجاوزات.
وتكشف المقارنة بين عامي 2011 و2012 أيضا عن ارتفاع الإنفاق الحكومي من 78.7 تريليون دينار إلى 105.1 تريليون دينار، أي بزيادة بلغت 33.5 بالمئة خلال سنة واحدة، بينما ارتفعت النفقات الاستثمارية بنسبة 64.5 بالمئة، إلا أن نسبة التنفيذ بقيت عند 56 بالمئة، وهو ما يعكس فجوة بين حجم الأموال المرصودة ومستوى الإنجاز الفعلي للمشاريع.
رقابة غائبة وآلاف الملاحظات المؤجلة
ومن بين أبرز ما تضمنته الوثائق الإشارة إلى أن مصروفات إقليم كردستان البالغة 13.5 تريليون دينار اعتمدت على موازين مراجعة مرسلة من الإقليم إلى دائرة المحاسبة في وزارة المالية الاتحادية، لكنها لم تخضع لتدقيق ديوان الرقابة المالية الاتحادي. كما أظهرت الوثائق وجود ملاحظات وتحفظات رقابية وردت في تقرير ديوان الرقابة المالية، فضلا عن فروقات محاسبية بين دوائر وزارة المالية، واستمرار ملفات سلف معلقة تعود إلى الأعوام 2004-2011.
وتعكس هذه المؤشرات حجم التحديات التي واجهت النظام المالي في تلك المرحلة، وتؤكد أن الحسابات الختامية لم تقتصر على توثيق الإيرادات والمصروفات، بل رصدت أيضا اختلالات رقابية وإدارية بقيت من دون معالجة لسنوات.
هل تحقق الرقابة غايتها بعد 14 عاما؟
ربما يظل السؤال الأهم بعيدا عن الأرقام نفسها: ما القيمة العملية لمناقشة حسابات أُنفقت أموالها قبل أربعة عشر عاما؟ ففي هذه المدة تعاقبت حكومات ومسؤولون، وتبدلت إدارات، وتقادمت كثير من الوقائع والوثائق، وهو ما يجعل الرقابة المتأخرة أقل قدرة على تحقيق أهدافها الأساسية في المساءلة وتصحيح المسار واسترداد الحقوق إن وجدت.
ولا يتحمل مجلس النواب الحالي وحده مسؤولية هذا التأخير، لأن الملف يمثل حصيلة تراكمات امتدت عبر سنوات، إلا أن استمرار تأجيل الحسابات الختامية يضعف واحدة من أهم أدوات الرقابة على المال العام. فكلما ابتعدت الرقابة عن زمن الإنفاق، تراجعت قدرتها على كشف أوجه الخلل ومحاسبة المسؤولين عنها.
كما يثير إقرار حسابات عام 2012 تساؤلات بشأن مصير الحسابات الختامية للسنوات اللاحقة، ومدى انتظام عرضها. فغياب الحسابات الختامية أو تأخرها لا يجيب فقط عن سؤال: كيف أُنفقت الأموال؟ بل يترك أيضا فراغا رقابيا يحد من قدرة الدولة على تقييم الأداء المالي بصورة دقيقة.
وفي المحصلة، لا تقدم وثائق الحساب الختامي لعام 2012 أدلة قضائية على وقوع جرائم فساد، لكنها تتضمن مؤشرات رقابية وشبهات مالية موثقة تتعلق بالسلف، والتجاوز على التخصيصات، وضعف تنفيذ المشاريع، وغياب التدقيق في بعض ملفات الإنفاق، وتراكم الملاحظات الرقابية. وهي مؤشرات تعيد التأكيد على أن انتظام الحسابات الختامية في مواعيدها الدستورية ليس إجراءً شكلياً، بل أحد أهم الضمانات لحماية المال العام وتعزيز المساءلة والحوكمة المالية.
ورغم أن مشروع قانون الحساب الختامي يكشف أرقاما كبيرة تتعلق بالسلف النقدية، والتجاوزات على التخصيصات، والملاحظات الرقابية، فإنه لا يتضمن في صيغته المعروضة جداول تفصيلية توضح أسماء الجهات المستفيدة من السلف، أو الوزارات التي تجاوزت تخصيصاتها، أو حجم التجاوز المسجل على كل جهة. كما لا يعرض تفاصيل الملاحظات الرقابية أو كيفية توزيعها بين مؤسسات الدولة، الأمر الذي يجعل الوثيقة تقدم صورة إجمالية عن حجم الاختلالات، من دون أن تتيح تتبع المسؤوليات أو تقييم أداء كل جهة على حدة.
ومن هنا، فإن نشر الجداول التفصيلية وتقارير ديوان الرقابة المالية المساندة يصبح ضروريا لاستكمال الصورة، إذ إن الأرقام الإجمالية تكشف حجم المشكلة، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد أين تركزت المخالفات، أو أي الجهات كانت الأكثر تسجيلا للملاحظات والتجاوزات.



