
لم يكن الطفل الذي خرج لتوه من غرفة العمليات ينتظر لعبة جديدة أو هدية ثمينة، بل كان ينتظر وصول “باتمان”. كان والده قد وعده قبل دخوله العملية الجراحية بأن بطله المفضل سيأتي بنفسه ليقدم له وجبته إذا تجاوز العملية بنجاح.
ذلك الوعد قاد شابا عشرينيا إلى ارتداء زي الشخصية الخيالية والتوجه إلى المستشفى، ليكتشف أن مشروعه لم يعد مجرد مطعم للوجبات السريعة، بل أصبح قادرا على صناعة لحظات يصعب أن تُنسى.
ذلك الشاب هو عبد الله حسين عليوي، من مواليد عام 2002 في مدينة الكوت، وخريج قسم هندسة تكرير النفط والغاز في الجامعة التكنولوجية. وبعد تخرجه، وجد نفسه أمام واقع يواجهه كثير من الشباب العراقي؛ فرص التعيين الحكومية محدودة، والعمل في القطاع الخاص ليس سهلا، فاختار ألا ينتظر طويلا، وقرر أن يصنع فرصته بنفسه.

هكذا وُلد مشروع “مطعم باتمان”، وهو مطعم للوجبات السريعة يقدم البرغر والسندويتشات وعددا من الوجبات الخفيفة، لكن ما ميّزه لم يكن الطعام وحده، بل الفكرة التي تقف خلفه.
اختار عبد الله أن يحمل المشروع هوية مختلفة، فارتدى زي شخصية “باتمان”، وأصبح يستقبل الزبائن ويوصل الطلبات ويصنع مقاطع ترفيهية عبر مواقع التواصل الاجتماعي بالشخصية نفسها، ليمنح الأطفال تجربة مختلفة عن زيارة أي مطعم آخر.
وخلال شهرين فقط، بدأ اسم “باتمان الكوت” ينتشر بين الأطفال والعوائل داخل المدينة، وأصبح ظهوره يرتبط بالمفاجآت واللحظات التي ينتظرها الصغار قبل استلام وجباتهم.
لكن أكثر المواقف التي بقيت عالقة في ذاكرة عبد الله بدأت باتصال هاتفي ظنه في البداية طلبا عاديا.
كان المتصل أبا طلب منه أن يوصل وجبة إلى ابنه، لكنه أخبره أن العنوان ليس منزلا، بل مستشفى.
وأوضح الأب أن طفله كان يستعد لإجراء عملية جراحية، وقد وعده بأنه إذا خرج منها بسلام، فسيأتيه “باتمان” بنفسه ليحقق أمنيته. فالطفل كان قد شاهد عبد الله في مواقع التواصل الاجتماعي، وتعلّق بالشخصية حتى أصبح لقاؤها جزءا من المكافأة التي ينتظرها بعد العملية.
لم يتردد عبد الله في قبول الطلب.
ارتدى زي باتمان، وحمل الوجبة، وتوجه إلى المستشفى، حيث انتظر خروج الطفل من غرفة العمليات.

كان الطفل لا يزال متعبا بعد الجراحة، بينما عاش والداه ساعات من القلق والخوف قبل أن تتحول مشاعرهما إلى ارتياح مع نجاح العملية. وما إن شاهد الطفل شخصية باتمان تقف أمامه حاملة وجبته حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة بددت شيئا من تعب الساعات الماضية.
يقول عبد الله إن تلك اللحظة غيّرت نظرته إلى مشروعه.
فالقناع الذي ارتداه في البداية ليمنح مشروعه هوية مختلفة، أصبح بالنسبة إليه وسيلة لصناعة الذكريات، والوجبة التي تبدو عادية في نظر كثيرين تحولت بالنسبة إلى ذلك الطفل إلى وعد تحقق في أصعب لحظاته.
ويؤكد أن الفكرة قد تبدو بسيطة، لكنها قد تحمل أثرا كبيرا لدى طفل أو عائلة، لأن بعض المواقف العابرة تبقى حاضرة في الذاكرة لسنوات.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد عبد الله ينظر إلى مشروعه بوصفه مطعما للوجبات السريعة فحسب، بل مساحة تجمع بين العمل والترفيه، لذلك يحرص على إنتاج محتوى يناسب الأطفال والعائلات ويحترم العادات والتقاليد العراقية، وأن تبقى شخصية “باتمان” سببا في نشر الفرح أينما حضرت.
ورغم أن البداية لم تكن سهلة، إذ اضطر إلى دخول مجال بعيد تماما عن تخصصه الجامعي، وتعلّم إدارة المشروع والتعامل مع الزبائن وصناعة المحتوى وبناء هوية تجارية مختلفة وسط منافسة كبيرة، فإن تفاعل الأطفال والعائلات وانتشار اسم المشروع داخل الكوت وخارجها منحه دافعا للاستمرار.
واليوم، يحلم عبد الله بأن يتحول “باتمان الكوت” إلى علامة تجارية عراقية تنتشر في مختلف المحافظات، لتقدم التجربة نفسها التي بدأت من فكرة بسيطة وشخصية خيالية.

وبين شهادة الهندسة التي حصل عليها، والمشروع الذي اختار أن يبنيه بجهده، رسم عبد الله لنفسه طريقا مختلفا عن الطريق التقليدي الذي ينتظره كثير من الخريجين. طريق بدأ بمطعم صغير، لكنه تحول مع الوقت إلى حكايات يصنعها مع الأطفال أكثر مما يبيع من وجبات.
فقد يخلع عبد الله قناع “باتمان” مع نهاية يوم العمل، لكن القصص التي يصنعها وهو يرتديه تبقى في ذاكرة الأطفال. بالنسبة إليه، لم يعد النجاح يقاس بعدد الوجبات التي يبيعها، بل بعدد الابتسامات التي يتركها خلفه، لأن بعض المشاريع تبدأ كمصدر للرزق، ثم تتحول من دون تخطيط إلى رسائل إنسانية تعيش في ذاكرة الناس.



