اقتصادالعراقالمنطقةامنسياسةعبر الحدودمحليات

بعد عقود من التوقف.. هل يعيد العراق رسم خريطة الطاقة في الشرق الأوسط عبر خط كركوك – بانياس؟

في خطوة تُعد من أبرز التطورات في قطاع الطاقة بالمنطقة، عاد مشروع إعادة تأهيل وتشغيل خط أنابيب النفط (كركوك – بانياس) إلى واجهة الاهتمام، بعد إعلان العراق وسوريا توقيع مذكرة تفاهم لإحياء الخط الذي يربط الحقول العراقية بالساحل السوري على البحر المتوسط. ويستهدف المشروع، وفق ما أُعلن، تشغيل الخط بطاقة أولية تصل إلى مليوني برميل يوميا، بما يوفر منفذا إضافيا لتصدير النفط العراقي عبر البحر المتوسط ويقلل الاعتماد على مضيق هرمز، وسط ترحيب أمريكي بالمشروع واعتباره خطوة لتعزيز التعاون الاقتصادي بين بغداد ودمشق، في وقت لا تزال فيه تحديات أمنية وسياسية ولوجستية تحيط بعملية تنفيذه.

ورغم ما يحمله المشروع من فرص اقتصادية كبيرة للعراق وسوريا، فإنه يواجه في المقابل تحديات أمنية وسياسية ولوجستية، في ظل الحاجة إلى تأمين مسار يمتد مئات الكيلومترات داخل الأراضي العراقية والسورية، فضلا عن ارتباطه بملفات إقليمية معقدة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع التوازنات السياسية.

وكان المبعوث الأمريكي، توم باراك، قد أشار في وقت سابق إلى إمكانية أن يقود العراق مشروعا استراتيجيا جديدا في الشرق الأوسط، وهو ما ربطه مراقبون بخطة إعادة تشغيل خط كركوك – بانياس، باعتباره أحد المشاريع القادرة على تقليل الاعتماد على مضيق هرمز وفتح ممر جديد لصادرات النفط العراقية نحو البحر المتوسط.

مشروع قديم عاد إلى الواجهة

ويرى الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي أن فكرة إعادة إحياء خط أنابيب بانياس ليست جديدة، بل تعود إلى سنوات مضت، إلا أن التطورات السياسية التي شهدتها سوريا خلال المرحلة الأخيرة، إلى جانب التحولات الجيوسياسية في المنطقة، أعادت المشروع إلى دائرة الاهتمام، وجعلته يحظى بزخم سياسي واقتصادي لم يكن متوفرا في السابق.

ويقول الهاشمي، في حديثه لـ”طريق24″، إن العراق بدأ، بعد سلسلة الأزمات التي شهدتها المنطقة، بالتفكير بصورة أكثر جدية في البحث عن منافذ تصدير بديلة أو موازية للمنافذ الحالية، بحيث تعمل إلى جانب موانئ البصرة والخليج العربي، لتقليل المخاطر التي قد تنجم عن أي اضطرابات في مضيق هرمز.

ويضيف أن المتغيرات الجيوسياسية التي شهدها الشرق الأوسط، ولا سيما خلال السنوات الأخيرة، دفعت بغداد إلى إعادة تقييم استراتيجيتها الخاصة بتصدير النفط، بعد أن أثبتت الأحداث أن الاعتماد على منفذ رئيسي واحد يعرّض الاقتصاد العراقي لمخاطر كبيرة في حال اندلاع أزمات أو صراعات إقليمية.

ويكشف الهاشمي أن التصور الحالي للمشروع لا يقوم على إعادة تشغيل المسار التاريخي القديم بحذافيره، وإنما يعتمد رؤية جديدة تجعل من خط البصرة – حديثة نقطة الربط الأساسية، قبل أن يتفرع باتجاه الأراضي السورية وصولا إلى ميناء بانياس، مع إمكانية إنشاء مسار آخر نحو ميناء العقبة الأردني، فضلا عن خيار ربطه مستقبلا بخط كركوك – جيهان في حال التوصل إلى تفاهمات مع الجانب التركي.

ويشير إلى أن هذه الصيغة تمنح العراق أكثر من منفذ لتصدير النفط، وتقلل من حجم المخاطر المرتبطة بأي طريق منفرد، موضحا أن تنويع طرق التصدير أصبح اليوم ضرورة استراتيجية أكثر من كونه خيارا اقتصاديا.

درس مضيق هرمز

ويستشهد الهاشمي بما جرى خلال فترات التوتر العسكري في الخليج، عندما تعرض العراق لخسائر اقتصادية كبيرة نتيجة تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، الأمر الذي أعاد طرح تساؤلات قديمة بشأن أسباب عدم امتلاك البلاد منافذ تصدير بديلة، رغم اعتماد الاقتصاد العراقي بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية.

ويؤكد أن استمرار الاعتماد على مسار واحد لتصدير النفط يجعل المالية العامة العراقية عرضة لأي تطورات أمنية أو سياسية قد تشهدها المنطقة، وهو ما يفرض على الحكومة الاستثمار في مشاريع استراتيجية طويلة الأمد، تضمن استمرار تدفق الصادرات حتى في أوقات الأزمات.

ولا تقتصر أهمية المشروع، بحسب الهاشمي، على تنويع منافذ التصدير، بل تمتد إلى جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية في قطاع الطاقة، ولا سيما في مجالات الاستكشاف والإنتاج وتطوير الحقول النفطية.

ويبين أن وجود شبكة تصدير أكثر مرونة يشجع شركات النفط العالمية على ضخ استثمارات جديدة داخل العراق، لأنها ستطمئن إلى وجود منافذ متعددة لتسويق الإنتاج، بدلا من الاعتماد على منفذ واحد قد يتعرض للإغلاق في ظروف استثنائية.

ويضيف أن العراق يمتلك إمكانات كبيرة لزيادة إنتاجه النفطي مستقبلا، إذا ما حصل على موافقة منظمة أوبك وتحالف أوبك+ لرفع حصته الإنتاجية، وهو ما يجعل تطوير البنية التحتية للتصدير ضرورة تسبق أي توسع في الإنتاج.

كما يلفت إلى أن الدعم الأمريكي الواضح للمشروع، إلى جانب الانفتاح الذي تشهده العلاقات بين بغداد ودمشق، ينسجم مع رؤية واشنطن الرامية إلى إعادة تنظيم ممرات الطاقة في المنطقة، وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، عبر فتح منافذ جديدة للتصدير وتعزيز التعاون الاقتصادي بين دول الإقليم.

مشروع سياسي يتجاوز النفط

وإذا كان البعد الاقتصادي يفسر جانبا من أهمية مشروع كركوك – بانياس، فإن هناك من ينظر إليه باعتباره جزءا من مشروع سياسي وجيوسياسي أوسع، يتجاوز فكرة إنشاء خط لنقل النفط إلى إعادة رسم خارطة المصالح والتحالفات في الشرق الأوسط.

ويرى المحلل السياسي علي أغوان أن المنطقة تقف اليوم أمام مرحلة جديدة من إعادة ترتيب موازين القوى، تكون فيها الطاقة والمعادن وخطوط النفط والغاز والكهرباء المحرك الأساسي للمشاريع الإقليمية، وليس الاعتبارات السياسية التقليدية وحدها.

ويقول أغوان، في حديثه لـ”طريق24″، إن ما يجري اليوم لا يمكن فصله عن مشروع متكامل لإعادة تنظيم المنطقة، يبدأ من الخليج العربي ويمتد إلى العراق وسوريا ولبنان والأردن، وصولا إلى تركيا، مشيرا إلى أن مشروع خط الأنابيب يمثل أحد مفاصل هذا التوجه.

ويضيف أن الحديث عن إعادة تشغيل خط كركوك – بانياس لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه مشروعا اقتصاديا معزولا، وإنما باعتباره جزءا من شبكة أوسع تهدف إلى ربط دول المنطقة عبر ممرات للطاقة والنقل والتجارة، بما يخلق واقعا اقتصاديا جديدا ينعكس على التوازنات السياسية أيضا.

العراق.. الحلقة التي لا يمكن تجاوزها

وبحسب أغوان، فإن العراق يحتل موقعا محوريا في هذا المشروع، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي، وإنما أيضا لامتلاكه احتياطيات كبيرة من النفط والغاز، فضلا عن كونه نقطة الربط الطبيعية بين الخليج وبلاد الشام.

ويؤكد أن أي مشروع لنقل الطاقة من دول الخليج باتجاه البحر المتوسط أو أوروبا لن يحقق جدواه الاقتصادية إذا تجاوز الأراضي العراقية، موضحا أن المستثمرين الدوليين لا ينظرون إلى العراق على أنه مجرد ممر عبور، بل بوصفه دولة منتجة للطاقة تمتلك موارد ضخمة يمكن استثمارها ضمن أي مشروع إقليمي.

ويقول إن نقل الغاز القطري أو النفط السعودي عبر آلاف الكيلومترات دون الاستفادة من الثروات العراقية ليس خيارا اقتصاديا مفضلا بالنسبة للمستثمرين، لذلك فإن العراق سيكون حاضرا بصورة أساسية في أي مشروع إقليمي للطاقة خلال المرحلة المقبلة.

واشنطن تمسك بخيوط المشروع

ويعتقد أغوان أن الولايات المتحدة تقود عملية إعادة تشكيل خارطة الطاقة في الشرق الأوسط، وأن مشروع كركوك – بانياس يمثل إحدى أدوات هذه الرؤية، التي تهدف إلى ربط العراق وسوريا ولبنان والأردن وتركيا ضمن منظومة اقتصادية وأمنية أكثر ترابطا.

ويشير إلى أن بغداد لا تمتلك حرية القرار بصورة كاملة في هذا الملف، لأن المشروع يرتبط بتوازنات دولية وإقليمية معقدة، لافتا إلى أن واشنطن تلعب الدور الأبرز في رسم ملامحه ودفعه نحو التنفيذ.

وفي هذا السياق، يربط أغوان بين تعيين المبعوث الأمريكي توم باراك ومساعي الولايات المتحدة لإدارة هذا التحول، موضحا أن إشرافه على ملفات سوريا ولبنان والعراق يعكس رغبة أمريكية في إدارة مشروع إقليمي متكامل، لا يقتصر على ملف الطاقة وحده.

ويؤكد أغوان أنه سبق أن دعا رئيس الوزراء إلى استثمار الموقع الجغرافي والثروات الطبيعية التي يمتلكها العراق، والعمل على تحويل البلاد إلى مركز إقليمي للطاقة، بدل الاكتفاء بدور المنتج والمصدر التقليدي للنفط.

ويقول إن امتلاك العراق لهذه المقومات يمنحه فرصة لقيادة مشاريع اقتصادية كبرى في المنطقة، إذا ما نجح في بناء تفاهمات مع القوى الدولية والإقليمية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.

ويضيف أن الانخراط في هذه المشاريع لا يعني التخلي عن سياسة التوازن، وإنما استثمار الفرص الاقتصادية التي يمكن أن تعزز موقع العراق الإقليمي، وتمنحه دورا أكبر في رسم مستقبل المنطقة.

ويخلص أغوان إلى أن ما يجري اليوم يتجاوز إعادة تشغيل خط أنابيب متوقف منذ عقود، بل يمثل جزءا من إعادة صياغة المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط، حيث أصبحت خطوط الطاقة والممرات الاقتصادية أحد أهم أدوات النفوذ والتأثير بين الدول.

وجهة جديدة للعلاقات بين بغداد ودمشق

وبعيدا عن الأبعاد السياسية، يرى خبير الطاقة محمد أمين هورامي أن مشروع إعادة إحياء خط كركوك – بانياس يفرض نفسه اليوم كأحد أهم الخيارات الاستراتيجية أمام العراق، في ظل المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد الأزمات التي أثرت في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.

ويقول هورامي، في حديثه لـ”طريق24″، إن الحرب الأخيرة وما رافقها من اضطرابات في مضيق هرمز أعادت التأكيد على حقيقة طالما حذر منها خبراء الطاقة، وهي أن اعتماد العراق على منفذ تصدير رئيسي واحد يجعله عرضة لخسائر اقتصادية كبيرة عند وقوع أي تصعيد عسكري أو أمني في الخليج.

ويضيف أن نحو 90 بالمئة من صادرات العراق النفطية تمر عبر الموانئ الجنوبية، الأمر الذي يجعل البحث عن منافذ بديلة لم يعد ترفا اقتصاديا، بل ضرورة استراتيجية لحماية الاقتصاد الوطني وضمان استمرار تدفق الإيرادات النفطية التي تعتمد عليها الموازنة العامة بشكل شبه كامل.

ويشير إلى أن إعادة تشغيل خط كركوك – بانياس تمثل فرصة حقيقية لتخفيف المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، من خلال فتح منفذ جديد يصل إلى البحر المتوسط، بما يمنح العراق مرونة أكبر في إدارة صادراته النفطية خلال الأزمات.

الأمن… التحدي الأكبر

ورغم ما يوفره المشروع من مزايا اقتصادية، يؤكد هورامي أن نجاحه يبقى مرهونا قبل كل شيء بتوفير بيئة أمنية مستقرة على امتداد مساره داخل العراق وسوريا.

ويقول إن أي مشروع لنقل النفط بهذا الحجم يحتاج إلى تنسيق أمني عالي المستوى بين بغداد ودمشق، ليس فقط خلال مرحلة إعادة التأهيل، وإنما أيضا بعد بدء التشغيل، لضمان حماية الأنبوب واستمرارية تدفق النفط.

ويضيف أن الخط سيمر بمناطق تتطلب تعاونا أمنيا واستخباريا دائما بين البلدين، وهو ما يجعل الملف الأمني جزءا لا يتجزأ من نجاح المشروع، إلى جانب الجوانب الفنية والاقتصادية.

هل يمكن حماية الخط؟

ويعتقد هورامي أن حماية خط الأنابيب ليست مهمة مستحيلة، شريطة وجود إرادة سياسية وتنسيق أمني حقيقي بين بغداد ودمشق.

ويلفت إلى أن الخط ليس مشروعا جديدا بالكامل، بل يمتد تاريخه إلى أربعينيات القرن الماضي، وهو ما يعني أن مساره معروف، وأن إعادة تأهيله قد تكون أسهل من إنشاء خط جديد من الصفر.

كما يشير إلى أن طبيعة الأرض التي يمر بها الخط، بحسب الدراسات السابقة، تعد أقل تعقيدا مقارنة بخط كركوك – جيهان، الأمر الذي قد يختصر جزءا من التحديات الفنية واللوجستية.

ويؤكد أن تحسين العلاقات الأمنية والاقتصادية بين العراق وسوريا سيصب في مصلحة البلدين، ليس فقط فيما يتعلق بقطاع الطاقة، وإنما أيضا في ملفات التجارة والاستثمار والنقل، لافتا إلى أن الحكومة العراقية تبدي رغبة واضحة في تطوير علاقاتها مع دول الجوار على أساس المصالح المشتركة.

الفصائل المسلحة… عقدة المشروع؟

وفي معرض حديثه عن أبرز العقبات، يشير هورامي إلى أن بعض الفصائل المسلحة التي تعارض التعامل مع الإدارة السورية الحالية قد تتحفظ أيضا على مشروع إعادة تشغيل خط الأنابيب، باعتباره جزءا من التفاهمات الجديدة بين بغداد ودمشق.

ويرى أن استمرار وجود السلاح خارج إطار الدولة قد يثير مخاوف المستثمرين والشركات الدولية المنفذة للمشروع، لذلك فإن حسم هذا الملف سيكون عاملا مهمًا في توفير بيئة آمنة للمضي في تنفيذ الاتفاق.

ويضيف أن الحكومة العراقية أعلنت أكثر من مرة عزمها على معالجة هذا الملف ضمن رؤية تهدف إلى تعزيز سلطة الدولة، وهو ما قد ينعكس بصورة إيجابية على المشاريع الاستراتيجية الكبرى، وفي مقدمتها مشروع خط الأنابيب.

فرصة اقتصادية مشتركة

ويؤكد هورامي أن المكاسب المتوقعة من المشروع لن تقتصر على العراق، بل ستمتد إلى سوريا أيضا، التي ستستعيد أحد أهم خطوط العبور النفطية في المنطقة، بما ينعكس على حركة الموانئ وقطاع الخدمات وفرص الاستثمار.

كما يرى أن المشروع سيوفر آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة خلال مراحل إعادة التأهيل والتشغيل، فضلا عن تنشيط قطاعات النقل والخدمات والصيانة، ما يجعله مشروعا اقتصاديا متكاملا، وليس مجرد وسيلة لنقل النفط.

ويخلص إلى أن إعادة تشغيل خط كركوك – بانياس قد تمثل نقطة تحول في العلاقة الاقتصادية بين بغداد ودمشق، إذا ما نجح الطرفان في تجاوز التحديات الأمنية والسياسية، وتحويل المشروع إلى شراكة طويلة الأمد تخدم مصالح البلدين.

متغيرات كبرى تعيد تشكيل المنطقة

وفي مقابل الرؤى التي تنظر إلى المشروع من زاويتي الاقتصاد والطاقة، يذهب الخبير الأمني علي المعماري إلى أن إعادة إحياء خط كركوك – بانياس لا يمكن فصلها عن التحولات الجيوسياسية التي يشهدها الشرق الأوسط، وما يرافقها من إعادة ترتيب للتحالفات الإقليمية والدولية.

ويقول المعماري، في حديثه لـ”طريق24″، إن المنطقة تمر بمرحلة إعادة تشكيل على المستويين الاستراتيجي والعقائدي، حيث تتداخل ملفات الأمن والطاقة والسياسة بصورة غير مسبوقة، وهو ما يجعل أي مشروع اقتصادي كبير جزءا من معادلة سياسية أوسع.

ويرى أن التقارب المتسارع بين بغداد ودمشق يأتي في سياق هذه المتغيرات، مشيرا إلى أن سوريا أصبحت اليوم جزءا من ترتيبات إقليمية جديدة، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى دفع العراق نحو بناء علاقات أوسع مع محيطه العربي، سواء على المستوى الاقتصادي أو الأمني.

واشنطن وطهران… صراع يتجاوز الحدود

ويؤكد المعماري أن ما يجري لا ينفصل عن الصراع المستمر بين الولايات المتحدة وإيران، مبينا أن واشنطن تحاول إعادة رسم شبكة علاقات العراق الإقليمية، بما يقلل من اعتماد بغداد على طهران ويفتح الباب أمام شراكات جديدة مع الدول العربية المجاورة.

وبحسب رؤيته، فإن مشروع خط الأنابيب، إلى جانب مشاريع الربط الاقتصادي والطاقة، يمثل إحدى الأدوات التي تعتمدها الولايات المتحدة لتحقيق هذا الهدف، وليس مجرد مشروع لنقل النفط من العراق إلى البحر المتوسط.

ويضيف أن النفط في هذه الحالة يتحول إلى وسيلة لإعادة تشكيل التوازنات السياسية في المنطقة، أكثر من كونه مجرد سلعة اقتصادية، لذلك فإن مستقبل المشروع سيبقى مرتبطا بطبيعة العلاقة بين واشنطن وطهران، وبالتطورات التي يشهدها الإقليم.

سوريا… المستفيد الأكبر

ويعتقد المعماري أن سوريا ستكون من أبرز المستفيدين من إعادة تشغيل الخط، نظرا لما يوفره من عوائد اقتصادية ورسوم عبور، فضلا عن إعادة إحياء أحد أهم ممرات الطاقة التي فقدتها البلاد منذ سنوات.

ويشير إلى أن المشروع سيمنح دمشق دورا جديدًا بوصفها دولة عبور رئيسية للطاقة، وهو ما قد يسهم في تنشيط موانئها وتحريك قطاعات النقل والخدمات والاستثمار المرتبطة بصناعة النفط.

وفي الوقت نفسه، يرى أن العراق سيستفيد من تنويع منافذ تصدير نفطه، وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مضيق هرمز، لكن ذلك يبقى مرهونا بقدرة الطرفين على توفير بيئة مستقرة وآمنة للمشروع.

ماذا عن الفصائل؟

وحول تأثير الفصائل المسلحة على مستقبل المشروع، يوضح المعماري أن موقف بعض الفصائل من الإدارة السورية الجديدة معروف، وأن هذا الموقف يرتبط بطبيعة علاقاتها وتحالفاتها الإقليمية، ولا سيما مع إيران.

ويرى أن أي تطورات في هذا الملف ستنعكس بصورة مباشرة على فرص تنفيذ المشروع، سواء من ناحية البيئة الأمنية أو من حيث مستوى التفاهمات السياسية داخل العراق وخارجه.

ويضيف أن الأشهر المقبلة قد تحمل مؤشرات أوضح بشأن مستقبل هذه الملفات، في ظل استمرار التحولات التي تشهدها المنطقة، وما يرافقها من محاولات لإعادة صياغة التحالفات الإقليمية.

بين الاقتصاد والسياسة… أين يقف العراق؟

وتكشف آراء الخبراء، على اختلاف طروحاتهم، عن اتفاق ضمني على أن مشروع كركوك – بانياس لم يعد مجرد مشروع لإعادة تشغيل خط نفطي متوقف منذ عقود، بل أصبح جزءا من مشهد إقليمي أكثر تعقيدا، تتداخل فيه اعتبارات الاقتصاد بالطاقة، وتتشابك فيه الحسابات الأمنية مع التوازنات السياسية.

فعلى المستوى الاقتصادي، يمثل المشروع فرصة لتنويع منافذ تصدير النفط العراقي وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، فضلا عن جذب استثمارات جديدة وتعزيز التعاون الاقتصادي مع السوريين. أما سياسيا، فينظر إليه بوصفه جزءا من ترتيبات إقليمية أوسع تسعى إلى إعادة رسم خريطة الطاقة والممرات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وسط حضور أمريكي واضح في دعم المشروع.

وفي المقابل، تبقى التحديات الأمنية أحد أبرز الاختبارات أمام نجاحه، سواء ما يتعلق بتأمين مسار الأنبوب داخل العراق وسوريا، أو بقدرة الحكومتين على توفير بيئة مستقرة تشجع الشركات الدولية على تنفيذ المشروع والاستثمار فيه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى