
في تقرير لـ”طريق24″ استطلعت فيه آراء مواطنات، بينهن مدرسات وأمهات وطالبات سابقات، برزت شكاوى من واقع المرافق الصحية في بعض مدارس الطالبات، حيث تجعل الأوساخ وطفح المجاري وانقطاع المياه دخول الحمام تجربة تنفر منها الطالبات، وتدفع بعضهن إلى الانتظار حتى العودة إلى المنزل، رغم طول ساعات الدوام والحاجة إلى استخدامه.
خلف أبواب هذه المرافق، تكشف الشهادات عن جانب مهمل من الحياة المدرسية. فالمشكلة لا تتعلق بمظهر غير نظيف فحسب، بل بقدرة الطالبة على قضاء يومها الدراسي براحة، والوصول إلى مكان تتوفر فيه أبسط مستلزمات النظافة والخصوصية.
سنوات دراسية من تجنب الحمامات
تختصر نور فراس تجربتها بقولها: “من الابتدائية وحتى التخرج لا أتذكر أني دخلت لحمامات المدرسة”، عازية ذلك إلى طفح المجاري والإهمال الذي وصفته بـ”المقرف”.
وتضيف: “أبسط شيء صابونة تغسل إيدك بيها ماكو”، في وصف لغياب مستلزم بسيط يفترض أن يكون متاحا في مكان تستخدمه أعداد كبيرة من الطالبات يوميا.
وتعكس شهادتها كيف يتحول تجنب الحمام إلى عادة ترافق الطالبة عبر سنوات الدراسة، فتعتاد تأجيل حاجتها إلى العودة للمنزل، بدلا من الاعتماد على المرفق المخصص لها داخل المدرسة. ومع تكرار هذه التجربة، يصبح النفور من المكان جزءا من الذاكرة المدرسية، إلى جانب الدروس والامتحانات.
أمهات يروين معاناة بناتهن
تقول مروة فتحي، وهي مدرسة، إن ابنتها واجهت صعوبة في استخدام حمامات المدرسة منذ سنتها الأولى، وإن حالتها دفعتها إلى تفقد المكان بنفسها.
وتروي: “مرة ذهبت وتفقدت الحمامات، وكانت ابنتي في سنتها الأولى، وكانت تصاب بالغثيان منها، وتعود أحيانا وهي تشتكي من الآلام لأنها لا تستطيع دخولها من شدة القذارة”.
ومع ذلك، ترى فتحي أن المسؤولية لا تقع على إدارة المدرسة وحدها، مشيرة إلى أن بعض الطالبات لا يحافظن على نظافة الحمامات بعد استخدامها، ما يزيد من سوء حالتها ويؤثر في قدرة الأخريات على الانتفاع بها.
أما أم ليث، فتؤكد أن حداثة المبنى لم تحم ابنتها من المشكلة. وخلال فترة الامتحانات، دخلت معها إلى حمامات مدرستها الإعدادية، لتجدها بحالة سيئة ومن دون مياه.
وتقول: “المدرسة جديدة وتوها مبنية، وهي إعدادية، ومع ذلك كانت الحمامات تثير الاشمئزاز، ولم يكن فيها ماء”.
وتكشف هذه التجربة أن بناء مرافق جديدة لا يكفي لضمان صلاحيتها للاستخدام، إذا غابت عنها المتابعة والصيانة والتنظيف وإمدادات المياه. فالحمام قد يكون حديث الإنشاء، لكنه يفقد وظيفته حين لا تجد الطالبة فيه ما تحتاجه لاستخدامه وتنظيف يديها بعد الخروج منه.
مسؤولية مشتركة تبدأ بتوفير الأساسيات
ترفض الناشطة نجاة الوائلي اختزال المشكلة في سلوك الطالبات، وترى أن توفير بيئة صحية يحتاج إلى منظومة متكاملة، تبدأ من تصميم المرافق وتجهيزها، وتمتد إلى التنظيف والمتابعة اليومية والتوعية.
وتقول لطريق 24: “لا يمكن أن نطلب من الطالبة أن تحافظ على مكان لا تتوفر فيه أساسيات النظافة. المسؤولية مشتركة، فالمدرسة مطالبة بتوفير حمامات صالحة ونظيفة ومياه ومستلزمات أساسية، وفي المقابل يجب تعليم الطالبات منذ الصغر كيفية استخدام المرافق العامة والمحافظة عليها”.
وبحسب الوائلي، فإن وجود عاملات تنظيف لا يعني انتهاء المشكلة، لأن المرافق تحتاج إلى متابعة مستمرة، خصوصا في المدارس التي تضم أعدادا كبيرة من الطالبات. كما أن معالجة الاستخدام غير الصحيح تبدأ بالتوعية، ولا ينبغي أن تقتصر على العقوبة.
ويضع هذا الرأي مسؤولية توفير الخدمة والمحافظة عليها ضمن مسارين متكاملين، أولهما ضمان صلاحية المكان وتجهيزه، والآخر ترسيخ سلوك يحميه من الإهمال وسوء الاستخدام. فلا تستقيم مطالبة الطالبات بالنظافة مع غياب المياه والصابون، كما لا تستمر نظافة المرافق إذا جرى استخدامها بطريقة تضر بها.
للأسرة دور في حماية المرافق العامة
وتؤكد الوائلي أن دور الأسرة لا يقل أهمية عن دور المدرسة، وأن تعليم الطفل المحافظة على المكان الذي يستخدمه يجب أن يكون جزءا من التربية اليومية.
ويشمل ذلك التخلص من النفايات والمستلزمات الصحية بالطريقة الصحيحة، وعدم تركها في المغاسل أو في مواضع تعطل المرافق وتزيد من اتساخها.
وتلفت إلى أن بعض الحمامات تكون مجهزة حديثا، لكنها تفقد صلاحيتها إذا لم تتوفر لها الصيانة والتنظيف والمياه بصورة مستمرة، مشددة على أن الحمام المدرسي ليس خدمة ثانوية، بل جزء من البيئة التعليمية التي تقضي فيها الطالبات ساعات طويلة.
ومن هنا، تبدو المحافظة على المرافق العامة ممارسة يومية تتعلمها الطالبة في البيت والمدرسة معا، وتحتاج إلى إرشادات واضحة وإلى مستلزمات تتيح تطبيقها، من المياه ومواد النظافة إلى حاويات مناسبة للتخلص من النفايات.
شكاوى تمتد إلى الجامعات
ولا تقف الشهادات عند حدود المدارس، إذ تشير علياء مؤيد إلى واقع مشابه في بعض الجامعات، يشمل مرافق الأستاذات أيضا.
وتقول: “نحن أستاذات في الجامعات وحماماتنا تخزي ولو أموت ما أدخلها”، معبرة عن نفور شديد من استخدامها.
وتضيف أن حمامات الطالبات في بعض الجامعات تشهد ممارسات غير صحيحة، مثل رمي المناديل والمستلزمات الشخصية في المغاسل، أو ترك الفوط الصحية من دون التخلص منها داخل الحاويات المخصصة.
وتوسع هذه الشهادة نطاق المشكلة من مرافق مدرسية إلى مرافق داخل مؤسسات تعليمية بمراحل مختلفة، حيث يتكرر التداخل بين ضعف النظافة والمتابعة وسوء الاستخدام، كذلك تجدر الإشارة إلى أن هذه الظاهرة أصبحت حالة عامة في الكثير من المؤسسات الحكومية غير التعليمية أو التربوية.
جزء من كرامة الطالبة وراحتها
وتتقاطع الشهادات التي جمعتها “طريق24” عند حاجة أساسية؛ أن تجد الطالبة داخل مؤسستها التعليمية حماما صالحا للاستخدام، تتوفر فيه المياه والنظافة والمستلزمات الضرورية، ولا تضطر إلى تجنبه طوال ساعات الدوام.
ورغم أن هذه الآراء لا تمثل مسحا شاملا لواقع المدارس والجامعات، فإنها تكشف تجارب تستحق المتابعة والمعالجة، وتلفت إلى أن تقييم البيئة التعليمية لا يكتمل بالنظر إلى القاعات والمناهج وحدها.
فالطالبة التي تمضي يومها في تجنب الحمام، أو تعود إلى منزلها متألمة لأنها لم تستطع استخدامه، تواجه نقصا في خدمة أساسية تمس راحتها وكرامتها. ومعالجة هذا النقص تحتاج إلى متابعة يومية تجعل صلاحية المرافق الصحية جزءا ثابتا من إدارة المؤسسة التعليمية.



