
كشف تقرير نشرته صحيفة الشرق الأوسط، استنادا إلى مصادر حكومية ومسؤولين حاليين وسابقين في قطاع النفط والأجهزة الرقابية، عن تفاصيل شبكة معقدة من المصالح السياسية والاقتصادية داخل وزارة النفط، تمحورت حول المتهم عدنان الجميلي، الذي تصفه المصادر بأنه أحد أبرز وجوه ما يعرف بـ”الاقتصاديات” المرتبطة بالأحزاب والفصائل النافذة.
وبحسب التقرير، بدأ الجميلي حياته المهنية موظفاً عادياً في وزارة النفط، قبل أن يتدرج في العمل داخل مصفاة بيجي، التي أصبحت لاحقا مركز نفوذه. وفي عام 2023، حصل على منصب مدير مصافي الشمال بعد تسوية سياسية بين حزب سني متنفذ وحلفائه في “الإطار التنسيقي”، فيما تشير مصادر متقاطعة إلى أنه كان قد شق طريقه سابقا تحت مظلة فصيل شيعي نافذ.
وخلال فترة قصيرة، رقي الجميلي إلى منصب وكيل وزارة النفط، ثم مُنح صلاحيات واسعة لإدارة العقود، لتبدأ مرحلة وصفتها المصادر بأنها شهدت تحوّل مصافي الشمال إلى مركز لعقود بمليارات الدولارات.
ويشير التقرير إلى أن الجميلي كان واحداً من خمسة مسؤولين شكّلوا ما يشبه مجلس إدارة غير رسمي لإدارة “اقتصاديات” المصافي، بينهم شخصية تتولى توفير الحماية الأمنية. وسرعان ما تحول المكتب الذي يقوده إلى جهة توزع العقود والخدمات على أطراف متعددة، مع صرف أموال لمشاريع لم تنفذ فعلياً، وكان الجزء الأكبر منها يتعلق بمصفاة بيجي.
وتعد مصفاة بيجي، التي تنتج حاليا نحو 150 ألف برميل يومياً من المشتقات النفطية، أي نصف طاقتها التصميمية تقريباً، واحدة من أكثر المواقع النفطية حساسية في العراق، بعدما تعرضت لأضرار واسعة خلال سيطرة تنظيم داعش عليها، قبل أن تستعيدها القوات العراقية عام 2017. ومنذ ذلك الحين، تحولت إلى ساحة تنافس بين فصائل مسلحة وجهات محلية على العقود وملفات تهريب الوقود.
وفي واحدة من أبرز القضايا التي أوردها التقرير، تحدث مسؤولون سابقون وعناصر أمن عن عقد لشراء مضخات وكابسات من رومانيا بقيمة تقارب 450 مليون دولار، رغم أنها لا تتوافق مع البنية الفنية لمصفاة بيجي. ويقول مسؤول سابق في وزارة النفط إن المعدات وصلت وهي خارج الخدمة بسبب تقادمها، وكان يفترض استخدامها في إنتاج البنزين الأبيض، إلا أنها لم تحقق المواصفات المطلوبة.
وأضاف موظفون في المصفاة أن المعدات أُدخلت إلى ورش لصبغها وإظهارها بمظهر المعدات الجديدة، قبل أن تُترك جانباً لعدم صلاحيتها للعمل. وبعد تصاعد الشبهات بشأن العقد، تعرض الموقع الذي كانت توجد فيه هذه المعدات داخل المصفاة إلى قصف بطائرات مسيرة في تموز/يوليو 2025، ما أدى إلى تدميرها دون وقوع خسائر بشرية، بحسب السلطات المحلية.
ورغم عدم صدور تأكيد رسمي من وزارة النفط أو إدارة المصفاة بشأن العقد أو حادثة القصف، فإن مسؤولين في قطاع الطاقة أكدوا للصحيفة وجود العقد، مشيرين إلى أن شراء المعدات كان يهدف أساساً إلى تعويض وحدات إنتاجية قيل إنها هُربت في ظروف غامضة بعد معارك داعش.
وينقل التقرير عن مسؤول نفطي سابق أن الجميلي تمكن، منذ عام 2023، من تمرير عقود لمصافي الشمال بلغت قيمتها نحو أربعة مليارات دولار، تضمنت شراء معدات لا تتوافق مع المواصفات الفنية للمنشآت النفطية العراقية. كما قال مستشار حكومي إن الجميلي تحول إلى “مكتب اقتصادي” غير معلن لتحالف سياسي صاعد خلال الانتخابات الأخيرة.
وفي الجانب السياسي، أفادت مصادر بأن الجميلي كان يتلقى طلبات مكتوبة بخط اليد من زعيم تحالف سياسي لصرف مبالغ تتراوح بين 150 و500 مليون دينار عراقي لدعم حملات انتخابية. ووفق مصدر موثوق، كان يوثق تلك الطلبات في “دفتر أزرق”، فيما أكد مصدر قضائي أن هذا الدفتر أصبح لاحقاً من الأدلة المستخدمة لتعقب حركة الأموال والشبكات المرتبطة بها.
ويخصص التقرير مساحة واسعة لملف تهريب “النفط الأسود”، إذ ينقل عن وزير سابق قوله إن العراق “يبيع النفط مرتين”، مرة عبر القنوات الرسمية، ومرة أخرى عبر شبكات التهريب. ويستخدم هذا الوقود في محطات الكهرباء والأفران الصناعية، كما يعاد تكريره لإنتاج مشتقات أهمها الديزل، بينما تبيعه الحكومة للسوق المحلية بأسعار تراوحت بين 100 و250 دولاراً للطن.
وبحسب شهادات مسؤولين ومصادر متعددة، تشرف مكاتب اقتصادية مرتبطة بفصائل وأحزاب ضمن “الإطار التنسيقي” وقوى سنية على شبكات لتهريب النفط الأسود، عبر نقله إلى موانئ إقليمية بواسطة وسطاء، أو خلطه بزيت وقود إيراني ثم تصديره بوثائق عراقية رسمية. وتقدر المصادر أرباح هذه العمليات بنحو 2.6 مليار دولار سنوياً خلال الفترة بين عامي 2023 و2025.
كما يشير التقرير إلى أن توسع منح تراخيص معامل الأسفلت تزامن مع خفض سعر طن النفط الأسود من 250 إلى 100 دولار، وهو ما أتاح، بحسب المصادر، استغلال معامل حقيقية للحصول على كميات إضافية من الوقود، فضلاً عن إنشاء معامل وهمية للحصول على حصص حكومية يعاد تهريبها لاحقاً.
ويرى سياسي في “الإطار التنسيقي”، وفق التقرير، أن تداخل مصالح المكاتب الاقتصادية انعكس بصورة مباشرة على مفاوضات تشكيل الحكومات بعد الانتخابات، من خلال الصراع على المناصب المرتبطة بوزارة النفط وإعادة توزيع الوسطاء داخل المؤسسة النفطية.
وفي سياق متصل، تتحدث مصادر مطلعة عن وجود علاقات بين شركات مرتبطة بـ”خاتم الأنبياء”، الذراع الهندسية للحرس الثوري الإيراني، ومسؤولين عراقيين لتسهيل تهريب النفط الإيراني باستخدام وثائق عراقية. كما يشير التقرير إلى العقوبات الأمريكية التي فرضت في أيار 2026 على وكيل وزارة النفط علي معارج وعدد من قيادات “عصائب أهل الحق”، على خلفية اتهامات بتسهيل خلط النفط الإيراني بالنفط العراقي وتسويقه بوثائق رسمية عراقية.
كما ينقل التقرير عن محقق سابق ومحاسب متقاعد عملا في وزارتي التخطيط والمالية أنهما راقبا لسنوات أوامر صرف رسمية استندت إلى الموازنة العامة، إلا أن الأموال كانت تختفي، ويرجحان أنها كانت تحول سراً إلى إيران.
ويختتم التقرير بالإشارة إلى أن نفوذ المكاتب الاقتصادية لم يقتصر على قطاع النفط، بل امتد إلى قطاعات أخرى، مع توسع نشاط شركات ورجال أعمال مرتبطين بالحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني داخل العراق، وتمويل حلفاء إيران في المنطقة، مثل الحوثيين وحزب الله اللبناني ودعم مرشحين في الانتخابات العراقية.
هذا التشابك بين السياسة والاقتصاد أسهم في ترسيخ اقتصاد مواز داخل الدولة، بينما تمثل التحقيقات الجارية محاولة لاستعادة الأموال العامة وتفكيك شبكات النفوذ التي تشكلت خلال السنوات الماضية.



