
قالت منظمة “هيومن رايتس ووتش” المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان، اليوم الأربعاء، إن السلطات السعودية، نفذت احكاما بالاعدام بحق مهاجرين إثيوبيين “مهمشين” بعد جلسات محاكمة لا تستغرق أحيانا سوى بضع دقائق، دون محام أو مترجم، كان آخرها اعدام خمسة مهاجرين إثيوبيين في 27 تموز 2026 على خلفية جرائم تتلعق بالمخدرات، ولا تشمل القتل ودون مراعاة الأصول القانونية.
وقالت جوي شيا، باحثة أولى في شؤون السعودية في هيومن رايتس ووتش: “تعدم السلطات السعودية مهاجرين إثيوبيين مهمشين بعد جلسات محاكمة لا تستغرق أحيانا سوى بضع دقائق، دون محام أو مترجم. ما يزال عشرات المهاجرين ذوي الوضع الهش يواجهون خطر الإعدام الوشيك إثر جلسات بالكاد يمكن تسميتها محاكمات، في نظام يعامل حياتهم وكأنها بلا قيمة”.
وذكرت المنظمة، انه منذ نيسان، قابلت “هيومن رايتس ووتش” أكثر من 12 مصدرا مطلعا بشأن قضايا مهاجرين إثيوبيين يواجهون الإعدام الوشيك بسبب جرائم مخدرات لا تشمل القتل، منهم مصدران لديهما معرفة مباشرة بالإعدامات الأخيرة.
وذكر مصدر للمنظمة، ان أحد الرجال الذين أُعدموا كان يعيش في اليمن منذ أكثر من عام دون عمل أو أي خدمات دعم عندما جاءه رجل يمني في آذار أو نيسان 2023 وعرض عليه وعلى الأربعة الآخرين عملا.
وقال المصدر إن الرجال الخمسة كانوا “ضعفاء جسديا ونفسيا” بعد رحلتهم الشاقة من إثيوبيا، إضافة إلى البطالة والفقر، وشعروا أنهم “مضطرون إلى قبول ذلك العمل رغم أنهم لم يعرفوا ما هو”. طلب منهم الرجل حمل طرد لا يعرفون محتوياته لمسافة قصيرة وأخبرهم بمكان تسليمه، ثم اختفى.
اعتقلتهم السلطات السعودية بينما كانوا يسيرون على جانب الطريق. قال المصدر إنهم “فوجئوا عندما رأوا جنودا سعوديين يعتقلونهم” لأنهم لم يدركوا أنهم عبروا الحدود إلى السعودية.
احتُجز الرجال أكثر من ثلاث سنوات في “سجن خميس مشيط” في منطقة عسير في السعودية. أُجبروا على توقيع وثائق بالعربية، التي لا يفهمونها، ولم تُعقد لهم سوى ثلاث جلسات محاكمة، تراوحت مدتها بين ثلاث دقائق و20 دقيقة، عُقدت اثنتان منها عن بُعد. لم يكن مترجم وفرته السلطات السعودية حاضرا إلا في جلستين فقط، وأُبلغ المهاجرون بأنهم سيُحكم عليهم بالإعدام بتهمة تهريب الحشيش. لم يحظَ الرجال بتمثيل قانوني ولا بفرصة لتقديم دفاع فعلي.
خلال جلسة المحكمة الأولى، أُبلغ الرجال بأن بإمكانهم كتابة رسالة استئناف وتسليمها إلى الحراس السعوديين في مركز الاعتقال. ولأن الرجال لا يستطيعون قراءة العربية أو كتابتها، طلب واحد منهم على الأقل من سجين سعودي كتابة رسالة الاستئناف، ولم تكن لديه “أي فكرة إن كانت الرسالة قُدمت إلى المحكمة أو إلى القضاة” بحسب المصدر، الذي أضاف: “كان بإمكان الحارس ببساطة أن يرميها في القمامة”.
كان الرجال الخمسة مسيحيين، وقال المصدران إن مسؤولي السجن لم يكونوا يسمحوا لهم بممارسة شعائر دينهم. قال المصدر: “إذا أراد المسيحيون الصلاة معا، تأتي الشرطة وتوقف ذلك”. قال المصدر إن أحد السجناء أفاد أيضا بأن الشرطة نزعت بالقوة قلادة صليب.
قبل إعدامات 27 تموز، كانت السلطات السعودية قد أعدمت في 23 حزيران خمسة إثيوبيين آخرين بتهمة “تهريب الحشيش المخدر”. في إحدى هذه القضايا، كان أحد المهربين قد أجبر رجلا على حمل القات، وهو نبات منبه خفيف موطنه إثيوبيا، من اليمن إلى السعودية كشرط لتسهيل رحلته.
في 12 أيار، ناشد بطريرك كنيسة التوحيد الأرثوذكسية الإثيوبية السلطات الإثيوبية والسعودية وقف إعدام المواطنين الإثيوبيين. في بيان في 13 تموز، قالت وزارة الخارجية الإثيوبية إنها “لا تزال تعمل عن كثب مع السلطات المعنية في المملكة العربية السعودية بشأن المسائل التي تؤثر على المواطنين الإثيوبيين”، بما يشمل “الأفراد الذين يواجهون إجراءات قانونية وتدابير قضائية”. لم يحدد البيان ما إذا كان ذلك يشمل المحكومين بالإعدام بسبب جرائم مخدرات.
وقالت “هيومن رايتس ووتش” ان استخدام السعودية عقوبة الإعدام يتعارض مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، الذي يؤكد على أن الحق في الحياة “حق ملازم لكل إنسان”، ويقصر الإعدام على “أشد الجرائم خطورة” التي تؤدي عمدا إلى الوفاة.
وندد “فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي” بالممارسة التي تتبناها السعودية، وخلص إلى أن الإعدامات بسبب جرائم تتعلق بالمخدرات لا تتوافق مع القانون الدولي لحقوق الإنسان وتقع خارج نطاق “أشد الجرائم خطورة”. حث الفريق العامل السلطات السعودية على إعادة العمل بتجميد أحكام الإعدام، وشدد على أن فرض عقوبة الإعدام على مثل هذه الجرائم يشكل انتهاكا واضحا للمعايير القانونية الدولية.
وتؤكد المنظمة، ان مئات آلاف الإثيوبيين يعيشون في السعودية. وبينما يهاجر كثيرون لأسباب اقتصادية، فرّ كثيرون من انتهاكات حقوقية جسيمة ارتكبتها حكومتهم، منها ما وقع خلال النزاع المسلح العنيف الأخير في شمال إثيوبيا. وثّقت هيومن رايتس ووتش لسنوات مجموعة واسعة من الانتهاكات الحقوقية ضد المهاجرين الذين يسلكون الطريق نفسه.
وذكرت، ان احتجاز المهاجرين في مرافق مزرية في السعودية مشكلة قديمة، ووجدت هيومن رايتس ووتش أنه يرقى إلى معاملة لا إنسانية ومهينة. في 2023، وجدت هيومن رايتس ووتش أن حرس الحدود السعوديين قتلوا ما لا يقل عن مئات المهاجرين وطالبي اللجوء الإثيوبيين الذين حاولوا عبور الحدود اليمنية-السعودية، وهو ما قد يشكل جريمة ضد الإنسانية إذا كان قد ارتُكب في إطار سياسة حكومية سعودية لقتل المهاجرين.
وقالت المنظمة انه ينبغي للسعودية أن تلغي فورا عقوبة الإعدام بحق المهاجرين الإثيوبيين وتراجع جميع الأحكام بما يتماشى مع الالتزامات الدولية الواقعة عليها، بما فيها “اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب”. ينبغي لوزارة الخارجية الإثيوبية وممثليها في السعودية التدخل على وجه السرعة لدى نظرائهم السعوديين، وضمان حصول مواطنيهم، بالحد الأدنى، على مساعدة قنصلية فورية.
وقالت المسؤولة في المنظمة، “ينبغي للحكومات أن تضغط بشكل عاجل على سلطات ولي العهد محمد بن سلمان لوقف هذه الإعدامات وتخفيف أحكام عشرات آخرين ينتظرون المصير نفسه”.



