
من المستفيد من حملة مكافحة الفساد؟ في الوقت الذي تبدو فيه حملات مكافحة الفساد خطوة تصب في مصلحة الدولة واسترداد هيبتها وحماية المال العام، تبرز في المقابل قراءات سياسية تعتبر أن ما يجري يتجاوز البعد القضائي والرقابي، ليمثل محطة جديدة في إعادة رسم موازين القوى داخل مؤسسات الدولة، ولا سيما الوزارات السيادية.
وتقول مصادر سياسية لـ”طريق 24″ إن التغييرات التي شهدتها وزارة النفط عقب قضية وكيل الوزارة لشؤون التصفية، عدنان الجميلي، لا يمكن فصلها عن حراك سياسي أوسع لإعادة توزيع النفوذ داخل الوزارة، معتبرة أن المستفيد الأبرز من هذه المتغيرات هو ائتلاف الإعمار والتنمية برئاسة رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، الذي يسعى -بحسب المصادر- إلى تعزيز حضوره في مفاصل الوزارة.
وتضيف المصادر أن هذا التوسع جاء على حساب تيار الحكمة، الذي خسر عدداً من المواقع الإدارية والتنفيذية المؤثرة داخل وزارة النفط، في إطار ما تصفه بعملية إعادة تموضع بين القوى المنضوية في الإطار التنسيقي.
وترى المصادر أن الصراع على وزارة النفط لم يبدأ مع اعتقال الجميلي، ولا مع الإجراءات التي تلته وصولاً إلى اعتقال مدير شركة توزيع المنتجات النفطية حسين طالب، بل يعود إلى تنافس سياسي سابق على إدارة أحد أهم مفاصل الدولة الاقتصادية. وتشير إلى أن نجاح السوداني في كسب تأييد مدير شركة تسويق النفط “سومو”، علي نزار، الذي كان يُنظر إليه سابقاً على أنه قريب من تيار الحكمة، يمثل أحد أبرز مؤشرات هذا التحول.
وفي تفسيرها لاعتقال شخصيات محسوبة على ائتلاف السوداني، تستبعد المصادر أن تكون هذه الإجراءات مؤشراً على استهداف الائتلاف سياسياً، معتبرة أنها تدخل ضمن تفاهمات أوسع بين السوداني ورئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، رافقت تشكيل الحكومة الحالية، وتحديداً عملية اختيار رئيس الوزراء علي الزيدي. وتستشهد في ذلك بتصريحات رئيس تحالف تصميم، عامر الفايز، الذي كشف أن معظم قادة الإطار التنسيقي أبدوا امتعاضهم من أسلوب تنفيذ الاعتقالات، فيما لم يصدر عن السوداني أي موقف مماثل.
وحول إمكانية توسع الحملة لتشمل شخصيات سياسية من الصف الأول، تستبعد المصادر هذا السيناريو، مرجحة أن تبقى الإجراءات ضمن حدود استهداف مسؤولين تنفيذيين وإداريين، من دون الوصول إلى القيادات السياسية البارزة. وتضيف أن عدداً من قادة الإطار حصلوا، وفقاً للمصادر، على تطمينات بالحفاظ على دورهم في المرحلة المقبلة مقابل تفاهمات سياسية سبقت تشكيل الحكومة، وتشير إلى أن المبعوث الأميركي إلى العراق، توم باراك، كان حاضراً في جانب من تلك التفاهمات خلال زياراته إلى بغداد.
ولا تحصر المصادر حديثها بوزارة النفط، إذ ترى أن التغييرات الإدارية التي تشهدها وزارة الكهرباء تندرج في السياق ذاته، بوصفها جزءاً من عملية إعادة توزيع النفوذ داخل مؤسسات الدولة. وتلفت إلى أن معظم القوى السياسية التزمت الصمت إزاء هذه الإجراءات، في حين برز تيار الحكمة بوصفه الطرف الأكثر اعتراضاً، عبر تصعيد خطابه الإعلامي وانتقاداته للتغييرات الأخيرة.
وتوسّع المصادر قراءتها لتشمل المشهد السياسي السني، معتبرة أن تراجع نفوذ رئيس تحالف العزم مثنى السامرائي قد يصب في مصلحة كل من خميس الخنجر ومحمد الحلبوسي.
وتوضح أن الحلبوسي نجح في وقت سابق بانتزاع وزارة التربية من حصة السامرائي، على أمل أن يحصل الأخير بالمقابل على وزارة التخطيط، إلا أن مرشحه لم ينل ثقة مجلس النواب، لتبقى الوزارة خارج نفوذه.
وترى المصادر أن وزارتي التخطيط والثقافة، اللتين لا تزالان تُعدان من حصة السامرائي، أصبحتا اليوم محور تنافس متجدد، إذ يسعى كل من الحلبوسي والخنجر، وفقاً للمصادر، إلى توسيع مساحة نفوذه السياسي عبر الظفر بإحداهما أو كلتيهما، في إطار إعادة توزيع مراكز القوة بين القوى المشاركة في الحكومة.
وتخلص المصادر إلى أن حملة مكافحة الفساد، رغم أهميتها في ملاحقة المتهمين واستعادة الأموال العامة، تتحرك -من وجهة نظرها- داخل بيئة سياسية معقدة، تتداخل فيها الاعتبارات القضائية مع حسابات النفوذ وتوازنات السلطة، وهو ما يجعل نتائجها مرهونة بطبيعة التفاهمات السياسية أكثر من ارتباطها باتساع دائرة المحاسبة.



