
يضع تدريس مادة “جرائم حزب البعث” في المدارس المنظومة التعليمية أمام مسؤولية تتجاوز سرد انتهاكات النظام السابق وإدانتها، إلى تقديم قراءة شاملة لتاريخ العراق، تفسر نشوء الاستبداد وآليات استمراره، وتعترف بضحاياه على اختلاف انتماءاتهم القومية والدينية والسياسية.
وتكتسب هذه المسؤولية أهمية خاصة مع أجيال ولدت بعد عام 2003، ولم تعرف النظام الاجرامي السابق أو تعش تحت سلطته. فتعليم هذه الأجيال يحتاج إلى مقاربة تختلف عن خطاب المواجهة الذي حكم علاقة ضحايا النظام بجلاديهم، وتساعد الطلبة على فهم الماضي دون تحميلهم خصوماته أو دفعهم إلى استعادة انقساماته.
وتكمن القيمة التربوية للمادة في بناء جيل متسامح، يعرف مخاطر الاستبداد ويدافع عن حقوق الإنسان. أما الاكتفاء بالنيل من النظام السابق من موقع المظلومية، أو توظيف جرائمه في التحشيد الطائفي والسياسي، فيهدد بتحويل الدرس التاريخي إلى وسيلة لتوريث الكراهية، ويضعف قدرته على منع تكرار القمع.

ذاكرة لا تختزلها جهة واحدة
لا تسمح الوقائع التاريخية بحصر جرائم النظام في استهداف القوى الدينية، على جسامة ما تعرضت له. فقد وثقت هيومن رايتس ووتش استهداف الشيوعيين العراقيين بعد انهيار علاقتهم بالبعث عام 1978، بما شمل قتل المئات وسجن الآلاف، وطال القمع كتابا وصحفيين ومدرسين وأطباء ومثقفين ومن مختلف التخصصات الأخرى. ويكشف هذا السجل امتداد الاضطهاد إلى قوى وشخصيات أسهمت في الحياة الوطنية والثقافية العراقية.
وفي كردستان، وثقت المنظمة تدمير القرى والتهجير واستخدام الأسلحة الكيميائية، وصولا إلى حملة الأنفال عام 1988، التي خلصت إلى أنها شكلت إبادة جماعية. وفي الجنوب، شملت الانتهاكات قمع السكان واستهداف عرب الأهوار وتجفيف مناطقهم وتهجيرهم، بما يكشف تعدد أدوات الاستبداد وآثاره في المجتمعات المحلية.
كما أدرج تقرير للمنظمة صدر عام 2004 ضمن سجل المفقودين ضحايا من الكرد الفيليين، ومعارضين شيوعيين ويساريين وكردا وأفرادا من أقليات أخرى، إلى جانب الشيعة ورجال الدين وضحايا قمع انتفاضة 1991. ويؤكد هذا التنوع أن تاريخ الاضطهاد في العراق أوسع من رواية جهة واحدة. وعلى الرغم من ذكر بعض مما ورد في التقرير ضمن المنهج، إلا أن الكفة المنهجية في الكتاب تميل إلى جهة معينة على حساب البقية.
ومن هنا، فإن أي معالجة تعليمية تمنح جماعة دينية أو سياسية موقع الضحية الحصرية ستكون قاصرة عن تمثيل التاريخ العراقي. فحق الضحايا في الاعتراف لا يتحدد بنفوذ القوى التي تتحدث باسمهم اليوم، كما أن توثيق معاناة جماعة لا يعوض تغييب معاناة جماعات أخرى.
هل هنالك جدوى تربوية؟
في إجابته عن أسئلة تتعلق بالجدوى التربوية للمادة وشمولها وآليات إعدادها، يوضح الأكاديمي والباحث والاستاذ الجامعي سعد سلوم، أنه لم يطلع على المنهج الحالي لمادة “جرائم حزب البعث”، ولذلك لا يمكنه الحكم عليه أو تقييم محتواه، لكنه يشير إلى خبرات التجارب الدولية في تدريس تاريخ الأنظمة السلطوية والجرائم الجماعية.
ويقول سلوم لـ”طريق24” إن الهدف في كثير من هذه التجارب لا يتمثل في إعادة إنتاج الخوف، وإنما في بناء ذاكرة تاريخية ووعي نقدي يحمي الأجيال الجديدة من تكرار التجربة.
ويرى أن المناهج لا تقتصر على سرد الجرائم، بل تبحث في أسبابها وآليات الاستبداد ودور المؤسسات والمجتمع، وآثارها السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
وبذلك، يقدم حديثه مقاربة لتدريس هذا التاريخ، دون أن يتضمن تقييما للمنهج العراقي الحالي أو تأكيدا للانتقادات الموجهة إلى محتواه.
فهم الاستبداد يتجاوز سرد الدماء
وتتمثل خطورة الانتقائية في أنها تضيق فهم الطالب لطبيعة الحكم السلطوي. فتصوير القمع بوصفه عداء لجماعة محددة قد يحجب آليات احتكار السلطة وتجريم المعارضة وإخضاع المؤسسات، وهي الآليات التي تجعل انتهاك الحقوق ممكنا بصرف النظر عن هوية الضحية.
كما أن الاقتصار على الوقائع الدموية يترك جوانب أخرى من التجربة خارج الدرس، مثل أثر الخوف في العلاقات الاجتماعية، وقمع حرية التعبير، وإخضاع المجال الثقافي والفني، وتبعات التهجير وتدمير البيئات المحلية. وفهم هذه الجوانب يساعد الطالب على إدراك ما يفعله الاستبداد بحياة الناس خارج السجون ومواقع الإعدام.
وفي ما يخص تعدد الضحايا، يقول سلوم إن المقاربة الدولية تميل عادة إلى تقديم ذاكرة شاملة، بحيث لا تصبح معاناة جماعة معينة بديلا عن معاناة جماعات أخرى، بل تُفهم الانتهاكات ضمن سياق تاريخي أوسع.
وتتيح هذه المقاربة الاعتراف بخصوصية كل تجربة داخل تاريخ مشترك. فالإنصاف يقتضي عرض الوقائع بحسب الأدلة، وضمان ألا يُقصى ضحايا بسبب انتمائهم أو غياب من يمثلهم.
من المظلومية إلى المواطنة
وبالنسبة إلى أجيال ما بعد 2003، ينبغي أن يقود تعلم هذه الحقبة إلى إدراك قيمة التعددية وحرية الرأي والمساواة أمام القانون، وفهم أن حماية المختلف جزء من حماية المجتمع كله. وتصبح معرفة الجرائم أكثر فائدة حين تساعد الطالب على رفض التعذيب والتمييز والعقاب الجماعي، أيا كانت الجهة التي تمارسها أو الجماعة التي تتعرض لها.
أما ربط الاعتراف بالضحايا بانتماءاتهم، أو تحويل معاناتهم إلى رصيد في الصراع السياسي الراهن، فيحمل خطر تعليم الطلبة ترتيب آلام العراقيين بدل فهم أسبابها والدفاع عن حقوق أصحابها. وتتحمل المدرسة مسؤولية منع انتقال هذا المنطق إلى الصف، خصوصا حين تخاطب طلبة لم يعيشوا الحقبة ويعتمدون على المنهج في تكوين صورتهم عنها.
وفي شأن إعداد المادة، يقول سلوم إن الأفضل أن تتولى ذلك فرق متعددة الاختصاصات، تضم المؤرخين وعلماء الاجتماع والسياسة والقانون والتربية، وأن تعتمد على الوثائق والشهادات والمصادر الأكاديمية، مع تدريب الطالب على التمييز بين الحقيقة التاريخية والتفسير السياسي.
ويضع هذا الطرح معايير لمراجعة المنهج، تتعلق بتوثيقه وتنوع مصادره وتمثيله للضحايا، وقدرته على تنمية التفكير النقدي. كما يبرز مسؤولية وزارة التربية والجهات المشاركة في إعداده في إتاحة محتواه ومصادره للمراجعة الأكاديمية والتربوية.
ويختتم سلوم إجابته بالقول: إن دراسة الماضي يمكن أن تتحول من مادة عن الجرائم إلى تربية على المواطنة وحقوق الإنسان، وفهم كيفية نشوء الاستبداد وسبل منع المجتمع والدولة تكراره.
وتبقى قيمة هذا التعليم مرتبطة بقدرته على إنصاف الضحايا وبناء مستقبل يتجاوز أسباب اضطهادهم. فالذاكرة التي تدخل المدرسة يجب أن تتسع للعراقيين بمختلف انتماءاتهم، وأن تمنح الأجيال الجديدة أدوات لفهم الاستبداد ومقاومته، دون تحويلها إلى جمهور لخصومات الماضي.



