
مع كل صيف، تتجدد أزمة الكهرباء في العراق، ويعود معها الحديث عن حلول بديلة لتخفيف الضغط على الشبكة الوطنية. وبينما تواصل الحكومة الترويج للطاقة الشمسية باعتبارها أحد أبرز الخيارات لمعالجة جزء من الأزمة، يجد كثير من المواطنين أنفسهم أمام معادلة مختلفة؛ فالحل الذي يُفترض أن يخفف أعباء الكهرباء بات، بالنسبة لشريحة واسعة، مشروعا مكلفا يتطلب مبالغ يصعب توفيرها أو أقساطا تمتد لسنوات. وبين الطموح الحكومي والواقع الاقتصادي، يبرز سؤال جوهري: هل تحولت الطاقة الشمسية من حل لأزمة الكهرباء إلى عبء مالي جديد على المواطن؟
بديل تفرضه الأزمة
لم تعد الطاقة الشمسية في العراق خيارا بيئيا أو رفاهية تقنية، بل أصبحت ضرورة فرضها واقع استمرار الانقطاعات الكهربائية، ولا سيما خلال أشهر الصيف التي تشهد ارتفاعا كبيرا في الطلب على الطاقة. وفي هذا الإطار، تبنت الحكومة مبادرات لتشجيع المواطنين على اقتناء المنظومات الشمسية، من بينها مبادرة البنك المركزي لتمويل شرائها بالتقسيط، بهدف تخفيف الأحمال عن الشبكة الوطنية وتقليل الاعتماد على المولدات الأهلية.
ويرى الخبير الاقتصادي محمد النجار أن المبادرة تمثل خطوة يمكن البناء عليها إذا توسعت بشكل أكبر، مؤكدا أن اعتماد المنازل على الطاقة الشمسية خلال ساعات النهار من شأنه أن يخفف الضغط على الشبكة الوطنية، ويتيح استقرارا أفضل للتجهيز، كما هو معمول به في عدد من الدول التي تستثمر فائض الطاقة المنتجة نهارا لدعم المنظومة الكهربائية.
لكن نجاح هذا التوجه، بحسب مختصين، لا يرتبط بتوفير التمويل وحده، وإنما بقدرة المواطنين على الوصول إلى هذه المنظومات بكلف تتناسب مع مستويات دخولهم، وهو ما يطرح تحديا أمام سياسة التحول نحو الطاقة النظيفة.
وفي وقت سابق، قال المتحدث باسم وزارة الكهرباء أحمد موسى إن العراق يمتلك سطوعا شمسيا يوميا يصل إلى 16 ساعة، ما يجعل الطاقة الشمسية خيارا مهما لتقليل الأحمال على الشبكة الوطنية. وأكد أن الحكومة أطلقت قروضا ميسرة بفائدة تتراوح بين 0.5 بالمئة و 2.5 بالمئة، مع أقساط شهرية بسيطة تتراوح بين 41 و51 ألف دينار، لتشجيع المواطنين على اقتناء المنظومات الشمسية. وبنظرة فاحصة وسؤال مباشر للمواطنين، يتبين أن ما طرحه المتحدث ليس دقيقا، أو بعبارة أوضح، لم يتحقق كما هو على أرض الواقع، فالأسعار والأرباح والأقساط كانت بعيدة كل البعد عن كلامه.
حين يصبح الحل أغلى من الأزمة
ورغم التوسع في الحديث عن الطاقة الشمسية، يشير مختصون إلى أن السوق المحلية تشهد تفاوتا واضحا في أسعار المنظومات، وهو ما ينعكس مباشرة على قدرة المواطنين على اقتنائها.
ويؤكد المهندس المتخصص فيصل الصفار أن اختلاف الأسعار يعود إلى عوامل عدة، أبرزها جودة المعدات، وآليات التصميم، ومستوى الشفافية في عرض تفاصيل المنظومات، مبينا أن المنظومة تحقق جدواها الاقتصادية عندما تُصمم وفق حاجة المستهلك الفعلية، بعيدا عن الحلول العشوائية أو المبالغ فيها.
إلا أن مواطنين يرون أن الفوارق السعرية تتجاوز حدود الاختلاف الفني. ويقول المواطن مرتضى جميل إن كلفة منظومة بقدرة 20 أمبير عند شراء مكوناتها مباشرة من السوق تتراوح بين 6 و6.5 ملايين دينار، في حين يصل سعر المنظومة نفسها لدى بعض الشركات المتعاقدة ضمن مبادرة التمويل إلى 14 مليونا و448 ألف دينار، مع قسط شهري يبلغ 172 ألف دينار لمدة 84 شهرا.
ويضيف جميل: لو أشترينا منظومة أكبر بقدرة 30 أمبير نهارا و30 أمبير ليلا، فستُعرض لدى بعض الشركات بسعر يصل إلى 22 مليونا و176 ألف دينار، وهو مبلغ يراه خارج قدرة كثير من الأسر العراقية.
ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في قيمتها المالية فحسب، بل في ما تثيره من تساؤلات حول أسباب الفجوة بين أسعار السوق وأسعار بعض الشركات المشاركة في المبادرة، ومدى انعكاس ذلك على الهدف الأساسي للمشروع، وهو توسيع استخدام الطاقة الشمسية بين المواطنين.
البنك المركزي من جانبه سبق وأن أعلن عن مناقشة إطلاق مبادرة الطاقة المتجددة، وأكد أن القروض للمواطنين ستكون بدون فوائد لشراء ونصب منظومات الطاقة الشمسية في منازلهم كخطوة لتقليل الضغط على المنظومة الوطنية، لكن هل هي فعلا بدون فوائد؟

هل تكفي القروض لتحقيق التحول؟
يرى مختصون أن التمويل يمثل جزءا من الحل، لكنه لا يكفي بمفرده لضمان انتشار الطاقة الشمسية. فالتجارب الدولية تشير إلى أن التحول نحو الطاقة المتجددة غالبا ما يرتبط بحزم متكاملة تشمل الإعفاءات الضريبية والكمركية، ودعم التصنيع المحلي، وتشديد الرقابة على الأسواق، إلى جانب توفير التمويل.
وفي العراق، يطالب مواطنون بإجراءات تتجاوز منح القروض، لتشمل مراجعة الرسوم المفروضة على مستلزمات الطاقة الشمسية، وضمان وجود منافسة عادلة بين الشركات، بما ينعكس على الأسعار النهائية التي يتحملها المستهلك. فهم يلاحظون وجود فوارق سعرية واضحة بين المحافظات وبين اقليم كردستان، حيث تكون هناك ارخص بحوالي النصف بسبب التسهيلات التي تقدمها حكومة الاقليم لدعم هذا التحول في مجال الطاقة النظيفة.
وتكتسب هذه المطالب أهمية خاصة في ظل واقع تتحمل فيه الأسر أعباء مالية متعددة، بين جباية الكهرباء الحكومية، وأجور المولدات الأهلية، ثم كلفة الانتقال إلى الطاقة الشمسية، ما يجعل كثيرين ينظرون إلى هذا البديل بوصفه استثمارا يصعب تحمل نفقاته، رغم الحاجة إليه.
وفي الوقت نفسه، ناقشت لجنة الكهرباء والطاقة النيابية المعوقات التي تواجه مبادرة الطاقة الشمسية وسبل تفعيلها، فيما صدرت تصريحات من بعض أعضاء مجلس النواب تحدثت عن وجود عراقيل أمام تنفيذ المشروع. وتبقى هذه التصريحات مواقف سياسية منسوبة إلى أصحابها، ولم تصدر بشأنها نتائج تحقيقات رسمية تثبتها أو تنفيها.
بين الطموح الحكومي والقدرة الشرائية
لا يختلف كثيرون على أن الطاقة الشمسية تمثل أحد الحلول الواعدة لتخفيف أزمة الكهرباء في العراق، لكن الخلاف يدور حول آليات تحويلها إلى خيار متاح لجميع المواطنين، وليس لمن يملكون القدرة على تحمل كلفتها فقط.
فإذا كانت الحكومة تسعى إلى تقليل الضغط على الشبكة الوطنية عبر التوسع في استخدام الطاقة المتجددة، فإن نجاح هذه السياسة سيقاس بمدى قدرة المواطن العادي على الاستفادة منها، لا بعدد المبادرات المعلنة أو القروض الممنوحة.
ويبقى السؤال مطروحا: هل تكفي مبادرات التمويل وحدها لتحقيق هذا الهدف، أم أن المرحلة المقبلة تتطلب رقابة أكبر على الأسعار، ومراجعة لآليات التنفيذ، وحوافز إضافية تجعل الطاقة الشمسية بديلا اقتصاديا حقيقيا، بدلا من أن تتحول إلى عبء مالي جديد على المواطن؟



