
أظهرت الأزمة في مضيق هرمز، والتوترات الناجمة عن الحرب الأمريكية على إيران، هشاشة مؤسسات الدولة العراقية. وعلى الرغم من أن تداعيات إغلاق المضيق لم تقتصر على العراق، بل امتدت لتؤثر بشكل مباشر على دول المنطقة والعالم، فإن العديد من تلك الدول سارعت إلى إيجاد بدائل سريعة وتنفيذ مشاريع وممرات بديلة لتصدير الطاقة، تجنباً للدخول في أزمة اقتصادية مضاعفة نتجت عن “صدمة” المضيق المستمرة حتى الآن، وتعثر التفاهمات بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية.
تخمة بالدراسات وانحسار في التطبيق
في العراق، وبعيداً عن أزمة هرمز، تتراكم الدراسات والبرامج الاستراتيجية من دون أن تجد طريقاً حقيقياً إلى التنفيذ، فيما تتعامل الحكومات مع تداعيات الأزمات بردود أفعال آنية غالباً ما تفضي إلى تنازلات كبيرة، من بينها الخصومات الاضطرارية التي اعتمدتها شركة تسويق النفط العراقية (سومو) عند عرض النفط العراقي في الأسواق العالمية لمعالجة نقص الإيرادات المالية، والتي وصلت أحياناً إلى 35 دولاراً للبرميل الواحد. يضاف إلى ذلك ملف التحكيم الذي كسبه العراق في محكمة باريس ضد الجانب التركي بشأن صادرات النفط عبر ميناء جيهان، والضغوط التي تمارسها أنقرة للتنازل عن التعويضات من خلال عدم الموافقة على طلب العراق زيادة صادراته النفطية لتعويض خسائر التصدير عبر هرمز.
الارتهان لـ”جيهان”
وفي وقت سابق، طلب العراق من تركيا تمديد اتفاقية خط أنابيب النفط بين كركوك وميناء جيهان التركي لمدة عام على الأقل، في خطوة تهدف إلى منح الجانبين مزيداً من الوقت للتفاوض على اتفاقية جديدة تنظم صادرات النفط عبر هذا المسار الحيوي.
ونقلت وكالة رويترز عن رئيس شركة تسويق النفط العراقية (سومو)، علي نزار، قوله إن بغداد قدمت طلباً رسمياً إلى أنقرة لإتاحة وقت إضافي لاستكمال المباحثات بشأن اتفاقية بديلة تغطي أحد أهم مسارات تصدير النفط العراقي.
وتنتهي الاتفاقية الحالية الخاصة بخط أنابيب كركوك – جيهان في 27 تموز الجاري، بعد عقود من تنظيمها لصادرات النفط بين العراق وتركيا، فيما يواصل الطرفان مناقشة مسودة اتفاقية جديدة تنظم عمليات التصدير خلال المرحلة المقبلة. ويُعوّل على زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى أنقرة، المدرجة ضمن برنامجه للزيارات الإقليمية بعد عودته من واشنطن، للتوصل إلى اتفاقية جديدة تسمح للعراق بزيادة صادراته عبر تركيا.
عقبات بانياس والعقبة!
في الأثناء، عادت المؤسسات الحكومية المعنية بقطاع الطاقة في العراق إلى الحديث مجدداً عن إعداد دراسات وخطط لتنفيذ مشاريع تتعلق بتنويع منافذ التصدير وعدم الارتهان لمضيق هرمز، الذي لا يبدو أن الأوضاع فيه ستعود إلى ما كانت عليه سابقاً، على الأقل خلال المدى المتوسط. وتعيد هذه الطروحات إلى الأذهان مشاريع حكومات سابقة، ولا سيما منافذ بانياس في سوريا والعقبة في الأردن، وما رافقها من تعقيدات سياسية وأمنية، حتى إن بعض الأطراف لوّحت بالتعامل العسكري مع مثل هذه المشاريع في حال مضت الحكومة بتنفيذها.
وفي هذا السياق، يرى عضو لجنة النفط والغاز النيابية، قيصر الجوراني، أن أي تهديد بإغلاق مضيق هرمز يفرض على العراق التعامل مع الملف بعقلانية ومسؤولية وطنية.
وقال الجوراني في حديث لـ”طريق 24″ إن “الاقتصاد العراقي يعتمد بشكل كبير على صادرات النفط، ومن هذا المنطلق فإن من واجب الحكومة امتلاك خطط بديلة تضمن استمرار التصدير وحماية الإيرادات العامة، من خلال تنويع منافذ التصدير وتسريع مشاريع الأنابيب والربط مع الموانئ والمنافذ الإقليمية، وعدم الاكتفاء بمسار واحد”.
وأشار إلى أن “الأزمات تكشف أهمية التخطيط الاستراتيجي، والعراق اليوم مطالب بالاستعداد لجميع الاحتمالات بما يحفظ مصالحه الاقتصادية وسيادته ويجنب شعبه أي تداعيات قد تنجم عن التطورات الإقليمية”.
هدر للوقت وتأخير للحلول
من جانبه، يؤكد المستشار في التنمية والاستثمار عامر الجواهري أن الوضع الاقتصادي في العراق خطير ويتطلب إدراك حجم التحديات الحالية والمستقبلية، مشيراً إلى أن المشكلة لن تنتهي ما لم تُتخذ إجراءات عملية بدلاً من الاكتفاء بإعداد الدراسات وإعادة النظر بالاستراتيجيات مع كل تغيير حكومي.
وقال إن العديد من الاستراتيجيات أُقرت سابقاً ثم جُمّد تنفيذها، لتعود الحكومات اللاحقة إلى تعديلها أو تحديثها من دون الشروع بتطبيقها، ما أدى إلى هدر الوقت وتأخير الحلول.
وأضاف أن العراق يمر حالياً بضائقة مالية حقيقية، إذ إن إيرادات النفط، التي تمثل المصدر الرئيس للدخل، لم تعد كافية لتغطية النفقات التشغيلية والاستثمارية. وحذر من أن أي اضطراب في صادرات النفط سيزيد من حدة الأزمة، مبيناً أن اعتماد العراق على صادراته النفطية عبر مضيق هرمز يفاقم الإشكاليات، ولا سيما في ظل الأوضاع المضطربة التي يشهدها المضيق منذ أشهر.
وأشار إلى أن ما صدر عن رئيس الوزراء بشأن الابتعاد عن الاقتراض لسد العجز المالي جاء في إطار التهدئة، مؤكداً أن الحكومة قد تضطر إلى مواصلة الاقتراض الداخلي، إلا أن هذا الخيار غير مستدام، لأنه يؤدي إلى استنزاف الاحتياطي النقدي ورفع حجم الدين الداخلي الذي يقترب من 100 تريليون دينار.
مجلس عابر للحكومات
وأوضح أن إيجاد مسارات بديلة لتصدير النفط يحتاج إلى وقت ودراسات وتمويل وآليات تنفيذ واضحة، مؤكداً أن الحل يكمن في وجود قرار استراتيجي موحد تلتزم به الحكومات المتعاقبة.
واقترح الجواهري إنشاء مجلس أعلى للاستراتيجيات أو للسياسات العامة يكون عابراً للحكومات والدورات البرلمانية، ويضم ممثلين عن مؤسسات الدولة والقطاع الخاص وخبراء اقتصاديين وأمنيين واستراتيجيين، لضمان استمرارية القرارات الكبرى وعدم تعطيلها بتغير الحكومات.
وفي ما يتعلق بمنافذ تصدير النفط، شدد على أهمية التوصل إلى تفاهمات مع تركيا بشأن خط جيهان، بالتوازي مع دراسة مسارات بديلة طويلة الأمد، مقترحاً إعادة إحياء مشروع خط الأنابيب عبر السعودية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، لما يوفره من مزايا استراتيجية تتمثل بقربه من الأسواق الآسيوية وتقليل المخاطر السياسية والأمنية.
كما دعا إلى توسيع دور المجلس الوزاري للاقتصاد ليشمل ممثلين عن القطاع الخاص وخبراء متخصصين، بما يتيح تقديم رؤى وتوصيات تسهم في معالجة التحديات الاقتصادية التي يواجهها العراق.
وختم بالتأكيد على أن تجاهل الأزمة لن يفضي إلى حلول، وأن المطلوب هو تبني قرارات اتحادية واضحة ومستدامة تُنفذ بشكل متواصل من دون توقف أو تغيير بتغير الحكومات.



