
بين رفوف ازدحمت بآلاف أشرطة الكاسيت والفيديو، يقضي حسين عباس جانبا من وقته في ترتيب أرشيف نادر بناه شريطا بعد آخر.
هنا، داخل منزله في قضاء خانقين بمحافظة ديالى، لا تبدو الأشرطة مقتنيات قديمة فقدت قيمتها، بل ذاكرة صوتية ومرئية لسنوات مضت، ومحتوى يصعب العثور على كثير منه اليوم.
بدأت الحكاية في طفولة حسين، حين انجذب إلى أشرطة الكاسيت المسجلة وراح يقتنيها ويحتفظ بها. ومع انتشار أجهزة الفيديو ودخولها إلى المنازل، انتقل شغفه إلى أشرطة الـ”VHS”، لتكبر المجموعة تدريجيا وتتحول من هواية طفولية إلى أرشيف يضم اليوم نحو 17 ألف شريط كاسيت وفيديو.

وعلى مدى سنوات، واصل هذا الرجل البحث عن الأشرطة وجمعها، حتى اضطر إلى تخصيص جزء من منزله لحفظها. ورتب مقتنياته بطريقة تتيح له الوصول إلى محتوياتها بسهولة، مع إبقاء مساحة لاستقبال أشرطة جديدة قد يعثر عليها مستقبلا.
وتغطي المجموعة فترات زمنية متعددة، وتمتد تسجيلاتها حتى عامي 2003 و2004. ولا تكمن أهميتها في قدمها فحسب، بل في تنوع محتواها أيضا، إذ تضم أفلاما وبرامج قديمة مترجمة في الكويت، وأفلاما عربية وهندية وتركية، إلى جانب أعمال الرسوم المتحركة والأغاني القديمة.

ومع انتقال المشاهدة من أشرطة الفيديو إلى الأقراص ثم المنصات الرقمية والإنترنت، اختفى كثير من هذا المحتوى أو أصبح الوصول إليه صعبا. وهنا اكتسب أرشيف حسين أهمية إضافية، بعدما تحول إلى مقصد لبعض صناع المحتوى والمهتمين بالتسجيلات القديمة، بحثا عن أعمال نادرة أو مواد لم تعد متاحة بالصيغة التي ظهرت بها أول مرة.
لكن قيمة هذه الأشرطة بالنسبة إلى حسين لا تتوقف عند محتواها الفني والترفيهي. فكل واحد منها يحمل جزءا من ذاكرة زمن كانت فيه أجهزة الفيديو حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، وكانت مشاهدة فيلم أو برنامج تبدأ باختيار شريط من الرف ووضعه داخل جهاز التشغيل.

ولهذا يواصل حسين الحفاظ على مجموعته، رغم تراجع استخدام أجهزة الفيديو وتغير وسائل حفظ المحتوى. كما يستمر في البحث عن أشرطة أخرى وإضافتها إلى الأرشيف، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تسجيلات قد تختفي بمرور الوقت.

ومع وصول المجموعة إلى نحو 17 ألف شريط، تجاوز طموح حسين حدود الاحتفاظ بها داخل منزله. فهو يحلم بإنشاء متحف صغير يعرض فيه جانبا من أرشيفه أمام الجمهور والمهتمين، أو المشاركة بمقتنياته في معارض وفعاليات تُعنى بالأفلام الكلاسيكية والأرشيف المرئي.
وحتى يتحقق ذلك الحلم، يبقى منزله في خانقين مستودعا لذاكرة كاملة؛ آلاف الأشرطة مصطفة على الرفوف، فيما يواصل حسين ترتيبها والبحث عن المزيد منها، حارساً محتوى من زمن تبدلت وسائله، لكن صوره وأصواته ما تزال حاضرة.




