
تواصل حالات الانتحار تسجيل أرقام مقلقة في العراق. إذ بلغ عددها 617 حالة خلال النصف الأول من العام الحالي، بحسب احصائية اعلنت عنها وزارة الداخلية قبل ايام. الأمر الذي يعيد فتح ملف الصحة النفسية والبطالة والضغوط المعيشية بوصفها عوامل تستحق المعالجة في ظل تنامي هذه الظاهرة.
وقال الطبيب النفسي د. جعفر البرقعاوي لـ”طريق24″ إن ظاهرة الانتحار لا يمكن اختزالها بسبب واحد، لأنها في الغالب نتيجة تراكمات معقدة تتداخل فيها الظروف الاقتصادية مع الضغوط النفسية والاجتماعية، وما يتعرض له الشخص داخل منزله.
وأكد البرقعاوي أن هذه الضغوط تبدو أكثر وضوحا لدى فئات واسعة من الطلبة والمراهقين والشباب، لاسيما أولئك الذين يواجهون مستقبلا غامضا أو يعجزون عن الحصول على فرصة عمل تضمن لهم حياة كريمة. فالشعور بالعجز أمام الواقع وتكرار الإخفاقات والإحساس بأن المستقبل لم يعد يحمل فرصة حقيقية للتغيير، كلها عوامل تترك آثارا نفسية عميقة قد لا تكون ظاهرة.
وعن العلاج النفسي قال البرقعاوي أن الكثير من الأشخاص لا يلجؤون اليه رغم ما يمرون به من صدمات وعُقد وتراكمات ومشكلات حياتية، معللا ذلك بالخوف من نظرة المجتمع أو الاعتقاد الخاطئ بأن مراجعة الطبيب النفسي تمثل وصمة اجتماعية. لذلك، يكبت الكثير من الناس مشاعرهم ومعاناتهم لسنوات من دون طلب المساعدة وهو ما يؤدي إلى تفاقم الأزمات النفسية حتى تصل لدى البعض إلى مرحلة فقدان الأمل والتفكير بالانتحار.
وأكد الطبيب أن التعامل مع الانتحار على أنها حوادث فردية لا يسهم في الحد من هذه الظاهرة، بل يحجب الأسباب الحقيقية التي تقف وراءها فحسب. فالمطلوب هو معالجة الجذور عبر تحسين الواقع الاقتصادي وتوفير فرص العمل واحتواء الشباب وتعزيز خدمات الصحة النفسية داخل المدارس والجامعات ومؤسسات الدولة ونشر ثقافة طلب المساعدة وكسر الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالاضطرابات النفسية.
وختم حديثه بالقول: إن الإنسان الذي يشعر بالأمان الاقتصادي ويحظى بالدعم النفسي والاجتماعي يكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات ومواجهة ضغوط الحياة، أما ترك الشباب يواجهون البطالة والقلق والعزلة ومواجهة مشكلاتهم بصمت، فإنه يضاعف احتمالية وقوعهم ضحية لليأس وهو ما يستوجب تحركا حقيقيا من جميع الجهات المعنية.



