العراقحقوقسياسةمحليات

ماذا يريد البرلمان من حرية التعبير؟ قانون «جرائم تقنية المعلومات» يثير مخاوف واسعة بعد قراءته الأولى

أثارت القراءة الأولى لمسودة “قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات” في مجلس النواب، ردود فعل حقوقية وإعلامية حذّرت من أن بعض الصياغات المقترحة قد تؤدي إلى توسيع الرقابة على المحتوى الرقمي وتقييد حرية التعبير والخصوصية. ومن الصحيح أن تنظيم الفضاء الرقمي ومواجهة الجرائم الإلكترونية يمثلان هدفين مشروعين، لكن ذلك لا يتم إلا ضمن إطار قانوني يحترم الضمانات الدستورية والمعايير الدولية لحقوق الإنسان. ومقابل كل هذا، يُطرح سؤال ملح: لماذا يصرّ البرلمان على تمرير هذا القانون الجدلي ويتجاهل أهمية تشريع قانون حق الحصول على المعلومة؟ فلو كان البرلمان حريصا فعلا بحسب قول المراقبين، لتوجه لسنّ هذا القانون الذي يمثل مصداقية الدولة في احترام حقوق مواطنيها، كما أنه سيمكّن الفرد من الوصول الى المعلومات والبيانات والملفات المرتبطة برسم سياسات البلد، والاطلاع على أداء الادارات بجميع المؤسسات والهيئات والوزارات. وفي ظل حملة حكومية ضد الفساد والفاسدين، يفترض بالمجلس النيابي أن يقوم بدوره ويشرع هذا القانون لتجريم اخفاء المعلومات وكشف الفاسدين او المتسترين عليهم وتحديد مكامن الفساد والهدر، وبذلك لن تبقى المعلومة حصرا لذوي الامتياز السياسي كما الآن.

التوسع في التجريم

ويقول حيدر حمزوز، مدير مؤسسة أنسم للحقوق الرقمية، إن المسودة المقترحة، إلى جانب التوجهات الأخيرة المتعلقة بتفعيل إجراءات استثنائية لمراقبة المحتوى الرقمي، تثير مخاوف حقوقية وقانونية تستدعي مراجعة جادة قبل إقرارها.

ويوضح حمزوز أن إلزام منصات التواصل الاجتماعي بفتح مكاتب أو ممثلين قانونيين داخل العراق قد يبدو إجراءً تنظيميا، لكنه يثير مخاوف إذا ارتبط بإلزام هذه المنصات بالاستجابة لطلبات كشف بيانات المستخدمين دون وجود ضمانات قضائية صارمة ومستقلة، مبينا أن الحق في الخصوصية وحماية البيانات الشخصية يجب أن يكون محميا، ولا يجوز الوصول إلى بيانات المستخدمين إلا بموجب أوامر قضائية واضحة تستوفي معايير الضرورة والتناسب.

ويشير مدير المؤسسة إلى أن المسودة تتجه، بحسب قراءته، نحو توسيع نطاق الأفعال التي يمكن اعتبارها جرائم إلكترونية، بحيث لا تقتصر على الأفعال التي تسبب ضررا حقيقيا مثل الاختراق أو الاحتيال أو الابتزاز الإلكتروني، وإنما تمتد إلى أشكال متعددة من التعبير والنشر.

ويرى أن هذا التوسع قد يؤدي إلى استخدام القانون كأداة لتقييد حرية التعبير، ويخلق بيئة قانونية غير مستقرة للصحفيين والباحثين والناشطين ومستخدمي الإنترنت.

مصطلحات فضفاضة

ومن أبرز الإشكاليات التي يسلط الضوء عليها حمزوز هي ورود عبارات عامة في المسودة، مثل “الإضرار” و “الإساءة” و “المساس بالسلم المجتمعي” و “الإخلال بالمصلحة العامة” و “نشر المعلومات المضللة”، من دون تعريفات قانونية دقيقة.

ويعتبر أن استخدام هذه المصطلحات يترك مساحة واسعة للتفسير، وهو ما قد يتعارض مع مبدأ الشرعية الجنائية الذي يقتضي أن تكون الجرائم والعقوبات محددة بوضوح بحيث يستطيع الأفراد معرفة السلوك المجرّم مسبقا.

ويدعو المتحدث إلى تضمين أي تشريعات أو إجراءات تنظيمية آليات واضحة للطعن في قرارات الحجب أو إزالة المحتوى، مع نشر تقارير دورية تبين عدد الطلبات والإجراءات وأساسها القانوني. ويؤكد أن المطلوب هو قانون يركز على مكافحة الجرائم الإلكترونية الحقيقية، مثل الاختراق والاحتيال والابتزاز وانتهاك البيانات الشخصية وإساءة استخدامها، مع توفير ضمانات قوية لحماية الخصوصية وحرية التعبير والعمل الصحفي والبحثي.

القانون جدلي ومزمن

من جهته، يصف الصحفي مصطفى ناصر القانون بأنه “جدلي ومزمن”، وينبه بأن المسودة الأولى للقانون تعود إلى سنوات سابقة حين كان تنظيم القاعدة يستخدم الإنترنت في نشر المواد الدعائية والتجنيد، قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي بشكلها الحالي.

وبحسب قول ناصر فأن العراق احتاج في تلك المرحلة إلى إطار قانوني لمواجهة استخدام التنظيمات الإرهابية للفضاء الرقمي، إلا أن التعديلات اللاحقة، بحسب رأيه، جعلت القانون يتجه نحو فرض قيود أوسع على مستخدمي الإنترنت.

ناصر يرى أن القانون، بصيغته المطروحة، قد يمثل “نكوصا جديدا لحرية التعبير في العراق”، لافتا إلى وجود أدوات قانونية وتنظيمية قائمة بالفعل، مثل قوانين العقوبات المتعلقة بجرائم النشر، ولوائح هيئة الإعلام والاتصالات الخاصة بمواقع التواصل.

أما بخصوص الجدل المتكرر حول القانون فيعود بحسب قول ناصر إلى ما وصفه بـ”العبارات الفضفاضة والعقوبات القاسية”، فضلا عن المخاوف من استخدامه بطريقة تحد من حرية التعبير والعمل الصحفي.

وفي ما يتعلق بإلزام منصات التواصل الاجتماعي بفتح مكاتب داخل العراق، يوضح ناصر أن هذه الحالة موجودة لدى دول أخرى، وأن وجود مكاتب للمنصات لا يعني بالضرورة كشف معلومات المستخدمين، مبينا أن العديد من الدول المتقدمة تضم مكاتب لتلك الشركات مع استمرار التزامها بسياسات حماية البيانات ورفضها كشف المعلومات إلا وفق الإجراءات القانونية المعتمدة.

إشراك أصحاب المصلحة

وينتقد ناصر طريقة إعداد بعض المسودات القانونية، معتبرا أنها تُصاغ أحيانا بعيدا عن مشاركة أصحاب المصلحة المباشرين، مثل الصحفيين والكتاب والمدونين والناشطين الرقميين.

ويعتبر عملية إشراك هذه الفئات في النقاش التشريعي يمكن أن يساعد في صياغة قانون يوازن بين متطلبات الأمن الرقمي وحماية حرية التعبير واحتياجات المستخدمين. ويتساءل ناصر عن عدم حماسة مجلس النواب إلى تشريع قانون حق حرية الحصول على المعلومة، فهو من التشريعات الضرورية لتعزيز الشفافية وحماية حرية التعبير، بينما يبقى التركيز على القوانين المقيدة للنشر دون إقرار قوانين داعمة للشفافية، أمر يثير تساؤلات حول أولويات التشريع في هذا المجال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى