اقتصادالعراقمحليات
أخر الأخبار

تغيير العملة.. تضارب يفتح أسئلة الدينار والمدخرات

بين تصريحات تتحدث عن قرار لتغيير العملة وحذف الأصفار، وأخرى تضع الخطوة في إطار الدراسة، وجد العراقيون أنفسهم أمام حديث متضارب بشأن ملف يمس أموالهم ومدخراتهم مباشرة. ورغم حساسية القضية، لا تزال التفاصيل الرسمية قاصرة عن تقديم صورة متكاملة بشأن ما يجري، فيما تتسع الأسئلة حول قيمة الدينار، ومصير الأموال المكتنزة، وإمكانية انعكاس حالة عدم اليقين على السوق وحياة الناس والثقة بالنظام المالي.

قلق يسبق أي تغيير

بالنسبة للمواطن، لا تبدأ القضية من عدد الأصفار المطبوعة على الدينار، بل من مصير الأموال التي يحتفظ بها. فالحديث عن تغيير العملة يطرح أسئلة مباشرة مثل هل ستتغير قيمة المدخرات؟ كيف ستُستبدل الأوراق الحالية؟ وهل ستكون هناك قيود على المبالغ الكبيرة؟ أم أن العملية لن تتجاوز إعادة احتساب القيم بوحدات نقدية أصغر؟

وزادت حساسية هذه الأسئلة بعدما نُقل عن وزير الاتصالات مصطفى سند، في 16 آب، قوله إن قرار حذف الأصفار وتغيير العملة “قد حُسم”، رابطا العملية بإخراج الأموال المكتنزة خارج النظام المصرفي وإعادتها إلى الدورة الاقتصادية، وفي مقدمتها الأموال غير الشرعية.

لكن المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي قال في اليوم التالي إن مجلس الوزراء لم يتخذ قرارا بشأن حذف الأصفار، ما أبقى مساحة بين ما يطرح في التصريحات وبين ما هو محسوم رسميا، ويوضح مدى التضارب والتناقض بين أطراف الحكومة. ورغم ذلك، يؤكد عضو في اللجنة المالية وخبراء ومختصون ماليون أن القرار موجود وقيد الدراسة وهنالك نية حقيقية لاتخاذه.

ويرى الخبير المالي مصطفى حنتوش أن أحدى المخاطر تكمن في أن يفهم المواطن تغيير العملة باعتباره تغييرا في سعر الصرف.

ويقول حنتوش خلال حديثه لـ”طريق24″: “الخطر ان يفهم المواطن ان العملية هي تغيير سعر صرف، فهذا غير صحيح والعملية هي تغيير عملة لها أسبابها، والقيمة ستبقى نفسها لا اكثر. مثلا 1000 دينار سيكون دينارا، و 250 دينار سيكون ربع دينار”.

من جانبه، يقدم عضو اللجنة المالية النيابية جمال كوجر الفكرة نفسها بالأرقام، ويقول أن “الكتلة النقدية البالغة 113 ترليون دينار ستتحول إلى 113 مليار بمجرد أن ترفع الأصفار عنها لكن أسعار البضائع لن تتغير أبدا”.

ويوضح كوجر لـ”طريق24″ أن “اللجنة المالية بالدورة السابقة للبرلمان ناقشت موضوع تغيير العملة بشكل جاد. علما أن العراق قام بهذه الخطوة في تسعينات القرن الماضي بسبب التضخم، والأوراق المزورة، ولكن هذا غير موجود الآن”.

وعن السبب الذي دفع اللجنة لمناقشة الموضوع يقول كوجر “السلطة تريد ايجاد حلول لحصر العملة بيد الحكومة، ومراقبة حركة الأموال في الدولة، والسعي لتحويل النظام او عملية الشراء من النقدي الى الإلكتروني. ولذلك، كانت احدى المحطات الرئيسية لتحقيق هذه النقاط الثلاثة هي بتغيير العملة، واحدى حالات التغيير هي برفع الأصفار.”

ويؤكد النائب أن الموضوع ليس خطير على العملة والمواطنين، وبموجبه سيصبح على سبيل المثال المليون دينار ألفا بالعملة الجديدة، والقيمة تبقى نفسها. وأما الأسعار والأجور والحسابات فيفترض أن تتحول بالنسبة ذاتها. لذلك لا يعني حذف الأصفار أن المواطن فقد جزءا من مدخراته أو أن الدينار أصبح أكثر قيمة.

لماذا تغيير العملة أصلا؟

وتقف وراء النقاش حول الأصفار قضية أكبر تتعلق بحجم النقد الموجود خارج الجهاز المصرفي.

فالخبير المالي صفوان قصي يتحدث عن أكثر من 70  تريليون دينار خارج المصارف، ويرى أن استدعاء العملة أو استبدالها يمكن أن يكون وسيلة لإعادة جزء من هذه الأموال إلى النظام المالي والتحقق من شرعية الأموال التي تدخل إليه، في رأي يخالف جزئيا ما طرحه الخبير مصطفى حنتوش.

ويقول قصي لـ”طريق24″، أن عملية استدعاء أو استبدال أو حذف الأصفار ستساهم بإضافة قيمة للدينار العراقي، وعلى العراقيين أن يطمئنوا بأن قيمة الدينار محمية باحتياطيات البنك المركزي ولا يمكن للبنك المركزي الاضرار بحملة الدينار الشرعي”

كما يربط قصي معالجة ظاهرة النقد خارج المصارف بالتوسع في المدفوعات الإلكترونية والشمول المالي، بما يسمح بمتابعة حركة الأموال وتقليل الاعتماد على النقد الورقي.

والفكرة ليست جديدة على النقاش النقدي العراقي. فالموقع الرسمي للبنك المركزي يدرج ضمن أبحاث الدكتور مظهر محمد صالح دراسة تعود إلى عام 2012 بعنوان “إعادة هيكلة العملة العراقية (مشروع حذف الأصفار الثلاثة وكلف المعاملات النقدية)”، ما يوضح أن المشروع سبق أن خضع للبحث منذ سنوات، من دون أن يشكل وجود الدراسة دليلا على وجود قرار تنفيذي حالي.

لكن محاولة استعادة النقد إلى الجهاز المصرفي تثير فكرة مفادها “لماذا بقيت كميات كبيرة من الأموال خارجه أساسا؟”.

أما رئيس مجلس محافظي سوق العراق للأوراق المالية الأسبق، علي جليل الكناني، فيربط جانبا من مشكلة وجود كتلة نقدية كبيرة خارج الدائرة المالية بفقدان الثقة بالقطاع المصرفي.

ويشير الكناني خلال حديثه مع “طريق24″، إلى تجارب مصارف خاصة أفلست أو خضعت للتصفية أو الوصاية، والصعوبات التي واجهها مواطنون في استعادة أموالهم. ويقول إن ذلك دفع إلى الاحتفاظ بالنقد في المنازل رغم مخاطر السرقة والحريق والتلف.

وبذلك، فإن تغيير الأوراق النقدية قد يدفع الأموال المكتنزة إلى الظهور عند الاستبدال، لكنه لا يعالج بمفرده الأسباب التي دفعت أصحابها إلى إبقائها بعيدا عن المصارف.

من أين لك هذا؟

القضية الأكثر حساسية تتعلق بما إذا كان استبدال العملة سيستخدم للكشف عن مصادر الأموال الكبيرة وغير الشرعية كما قال الوزير مصطفى سند.

وبالعودة إلى الخبير حنتوش، فهو يحذر من تحويل هذه الفكرة إلى مصدر خوف للمواطن، ويرفض ربط استبدال العملة تلقائيا بتطبيق مبدأ “من أين لك هذا”، محذرا من أن التشدد أو الاعتقاد بأن بعض الأموال لن تقبل عند الاستبدال يمكن أن يدفع أصحابها إلى البحث عن بدائل.

ويقول: “في بعض الأحيان يقال لن تستلم العملة إلا من عبر تطبيق مبدأ (من اين لك هذا)، وهذا غير موجود بسياسات تغيير العملة. ما سيحدث سيكون سياسة مرنة عن طريق البنك المركزي والمصارف المجازة وبنافذة لا علاقة لها بالعمليات المصرفية، بل تقديم العملة المراد استبدالها بالجديد، ويتم التأكد من سلامتها، لا ان ترفض وفقا لهذا المبدأ الرقابي المطروح، وإلا سيتم توجه العملة للمضاربات بعملة اجنبية وعقارات وذهب. وهذا أمر خطر ويخيف المواطنين ويجب تجنبه.”

الثقة قبل الورقة الجديدة

ولا يبدو حذف الأصفار، وفق الشروحات التي قدمها المختصون، عملية تؤدي حسابيا إلى خسارة مدخرات المواطنين ما دامت جميع القيم والأسعار والأجور تحول بالنسبة نفسها.

لكن المشكلة تصبح أكثر تعقيدا عندما يقترن تغيير العملة بمحاولة استعادة عشرات التريليونات الموجودة خارج المصارف، أو بحديث عن تتبع مصادر الأموال.

وهنا تتجاوز المسألة شكل الورقة النقدية إلى قدرة النظام المصرفي على استقبال هذه الأموال، وثقة المواطنين به، ووضوح شروط الاستبدال والمدة التي ستخصص له. وبالاضافة الى ذلك، ونظرا لوجود هذا الحجم من الفساد في مؤسسات الدولة، لا يستبعد بعض المختصون من قيام اصحاب الاموال غير الشرعية بالسطو على العملية واقحام اموالهم بالوجهة المالية الجديدة من خلال اساليب ومنافذ عديدة يمكن استغلالها.

وبين تصريح يتحدث عن حسم القرار وموقف حكومي يقول إن مجلس الوزراء لم يتخذه، تبقى الحاجة إلى توضيح رسمي متكامل ضرورية، ليس فقط لحسم ما إذا كان مشروع تغيير العملة سيمضي أم لا، بل لمنع الفراغ المعلوماتي من أن يتحول إلى عامل ضغط على الدينار والسوق ومدخرات المواطنين.

ففي ملف يمس الأموال التي يحملها العراقيون في جيوبهم ويحتفظون بها في منازلهم، قد تكون الثقة بطريقة إدارة الحديث عن العملة مهمة بقدر الثقة بالعملة نفسها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى