
لم تعد التحذيرات الأميركية موجهة إلى إيران وحدها، إذ وسّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب دائرة التهديد لتشمل الدول والجهات التي تواصل التعامل معها، محذرا من “عواقب اقتصادية هائلة” و “حرب اقتصادية “وعزلة” على كل من يقدم لطهران ما وصفه بـ”شريان حياة
التهديد الجديد يضع الدول المرتبطة اقتصاديا بإيران أمام اختبار مُحتمل، وفي مقدمتها دول الجوار، فيما يبرز العراق بوصفه واحدا من البلدان التي ترتبط بعلاقات تجارية وطاقوية واسعة مع طهران، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن حجم التأثير الذي قد يتعرض له في حال تحولت تهديدات ترامب إلى إجراءات وعقوبات فعلية.
وكان ترامب قد قال، في رسالة نشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي مساء الأربعاء، إن أي دولة تسمح لمؤسساتها المالية أو شركاتها أو مطاراتها أو جهاتها الحكومية بتقديم “شريان حياة من أي نوع” لإيران ستواجه عواقب اقتصادية هائلة، مهددا بحرب اقتصادية وعزلة على نطاق غير مسبوق، من دون أن يحدد الدول المستهدفة أو طبيعة الإجراءات التي تعتزم واشنطن اتخاذها.
لا يمكن الحكم قبل معرفة العقوبات
الاقتصادي الدكتور هيثم الخزعلي يرى أن تهديدات ترامب ما تزال في إطار عام، وأن تحديد انعكاساتها على العراق يتطلب أولاً معرفة طبيعة العقوبات والجهات التي ستشملها.
وقال الخزعلي لـ”طريق24″، إن “تهديدات الرئيس الأمريكي بمعاقبة كل الدول التي تدعم إيران أو تقدم لها معونات اقتصادية وتحويلات مالية أو صيرفات هي مجرد كلام صحفي عام”.
وأضاف أن “وزير الخزانة لم يعلن لحد الآن عن طبيعة هذه العقوبات وما هي الجهات أو الدول التي تشملها علما بأن الكثير من الدول لها ارتباطات مع الاقتصاد الإيراني، وخصوصا الصين التي تشتري النفط الإيراني وكذلك روسيا والهند والكثير من الدول التي لديها تعاملات، فضلا عن دول جوار إيران، دول الطوق”.
وأشار إلى أن “بعض هذه الأمور تعتبر امور سيادية لهذه الدول ولا أعتقد أن كلها سوف تنصاع للأوامر الأمريكية ولا نستطيع أن نحكم على مدى تأثر العراق بهذه العقوبات ما لم يتم تبيين نوع المخالفات ونوع العقوبات التي ستفرضها الولايات المتحدة على الدول”.
العراق قد يكون أكبر الخاسرين
وعلى خلاف القراءة المتحفظة بشأن إمكانية تحديد التداعيات قبل إعلان تفاصيل الإجراءات الأميركية، يحذر الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي من أن دول الطوق المحيطة بإيران ستكون تحت ضغط أميركي مباشر، واضعا العراق في مقدمة الدول التي قد تتضرر إذا نُفذ الحصار بقوة.
وقال الهاشمي لـ”طريق24″، إن “(دول الطوق) حول ايران، ستكون تحت ضغط أمريكي مباشر للالتزام بالحصار الاقتصادي على طهران، والعراق الذي وضع كل بيضه في السلة الايرانية، قد يكون أكبر الخاسرين!».
وأضاف أن “العراق، تركيا، تركمانستان، افغانستان، باكستان، أرمينيا، اضافة للدول الاخرى الأبعد، كل هذه الدول مطالبة اليوم بمراجعة وإنهاء كامل علاقاتها التجارية والمالية مع ايران لتجنب التصادم مع الولايات المتحدة”، لافتا إلى أنه “من المتوقع ان تضع الولايات المتحدة كامل زخمها ومواردها لانجاح خطتها في حصار ايران، لكن المهمة ليست سهلة وليست مضمونة النتائج كحال نتائج الضربات العسكرية”.
وأشار إلى أن “ايران لديها تاريخ طويل في المناورة والتحايل على العقوبات ولديها قدرة على ايجاد منافذ لكسر الحصار عبر اقتصاد موازي يعتمد على التهريب عابر للحدود، كما ان لديها ورقة المضيق الذي ستستمر في استغلالها للضغط على الاقتصاد العالمي”.
ويضع الهاشمي ملف الطاقة في مقدمة المخاطر المحتملة على العراق، قائلا: “لكن لو طُبق الحصار بقوة، فإن العراق قد يكون هو المتضرر الأكبر اقليميا، بسبب اعتماده الكبير على الغاز الايراني والعديد من السلع والمنتجات، وفي ظل التشدد الأمريكي فمن المرجح ان يتم وقف كافة أنواع الواردات الايرانية للعراق وبالتالي حرمان العراق من مصدر طاقة مهم للغاية يحتاجه لمحطاته الكهربائية”.
أما في ما يتعلق بالصين، فيرى الهاشمي أنها “لن تتقبل بسهولة تطبيق حصار مشدد على إيران، وقد تناور هي الأخرى لإدامة علاقاتها التجارية مع ايران خصوصا بما يتعلق بالنفط، لكنها قد تستجيب في النهاية ان كان الحصار الأمريكي حقيقي وبدرجة عالية من التشدد”.
ويخلص إلى أن “المنطقة ككل ستدخل في إختبار جديد بعد اختبار المواجهات العسكرية المباشرة، وقد يفرز الحصار الأمريكي على ايران ان تم تنفيذه كما يريد ترامب، واقعا اقتصاديا جديدا ينعكس على حركة التجارة وأسعار النفط وطبيعة العلاقات الاقتصادية بين الدول”.
واشنطن تدرك خصوصية العلاقة مع إيران
في المقابل، ينظر الخبير السياسي الدكتور عباس العقابي إلى الملف من زاوية طبيعة العلاقة بين بغداد وطهران وموقع العراق في العلاقة بين إيران والولايات المتحدة، مستبعدا رغبة واشنطن في إدخال العراق في الصراع.
وقال العقابي في حديث خص به “طريق24″، أنه “بالنسبة للعقوبات أو التهديدات التي فرضها ترامب على الدول التي تتعامل مع إيران، فبالتأكيد هنالك خصوصيات في التعامل، وهو يدرك إن العلاقة العراقية الإيرانية متجذرة وهنالك مشتركات كثيرة في الحدود”.
وأضاف أن ترامب “يعلم بأن العراق من أكثر البلدان المنتفعة من إيران من خلال النفط والغاز والمواد الغذائية والاستيراد ككل، على اعتبار إنه بلد مستورد وليس مصدّر، وأن واشنطن لا تريد أن تقحم بغداد بهذا الصراع لأنها تمتلك علاقات متوازنة بين الطرفين المتناحرين”.
ويرى العقابي أن واشنطن قد تنظر إلى العلاقة بين بغداد وطهران من زاوية أخرى، قائلا: “أعتقد إن الأمريكان يرحبون بأن يكون هنالك علاقة توازن ما بين إيران والعراق وما بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية في سبيل يكون وسيطا يمكن الاستفادة منه”، مستشهدا بما حصل في فترة رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي من خلال حمل الرسائل بين الطرفين.
وهكذا تضع تهديدات ترامب العراق أمام قراءات مختلفة بشأن ما يمكن أن يحدث إذا انتقلت واشنطن من التحذير إلى التنفيذ، فبينما يرى الخزعلي أن الحديث عن حجم الضرر العراقي لا يزال مبكرا قبل معرفة طبيعة العقوبات، يحذر الهاشمي من أن الاعتماد على الغاز والسلع الإيرانية قد يجعل العراق من أكبر المتضررين إذا فُرض حصار مشدد، في حين يرى المتحدث العقابي أن خصوصية العلاقات العراقية الإيرانية ودور بغداد المحتمل كقناة تواصل قد يدفعان واشنطن إلى التعامل مع العراق بصورة مختلفة.



