العراقرياضةمحليات
أخر الأخبار

لماذا يبقى احتراف اللاعب العراقي محدودا وقصير الأمد؟

على امتداد سنوات، غادر عدد من أبرز لاعبي العراق إلى تجارب احترافية في أوروبا ودوريات عربية وآسيوية، لكن القليل منها تحول إلى مسار طويل ومستقر ومؤثر. وبين محدودية الدقائق، والعودة السريعة، وكثرة التنقل بين الأندية، تتجاوز القضية مستوى اللاعب نفسه لتفتح أسئلة أوسع بشأن طريقة تكوين المواهب في العراق، ومستوى الدوري والبنى التحتية، وثقافة الاحتراف والانضباط واللغة، وصولا إلى تأثير المحسوبية في صناعة اللاعب.

احتراف موجود لكن الاستقرار غائب

لا تفتقر الكرة العراقية إلى حالات الوصول إلى الخارج، لكن المشكلة تظهر في تحويل ذلك الوصول إلى حضور مستمر ومؤثر.

ومن أحدث النماذج الاحترافية هو اللاعب الشاب الموهوب علي جاسم، الذي غادر إلى كومو الإيطالي ولعب مباراتين كبديل، ثم تخلى عنه النادي وأرسله إلى هولندا على سبيل الإعارة. وقال مدرب “كومو” النجم الدولي السابق فابريغاس، أن علي لا يريد أن يصبر ويتعلم، ويريد اللعب بسرعة رغم انه لا يجيد اللغة وتنقصه تفاصيل مهمة، مشيرا إلى أن فريقه يضم نجوم عالميين كبار ويفترض بلاعب شاب أن يتعلم منهم.

وعندما ذهب إلى الاحتراف في هولندا وبعدها في السعودية، كانت مشاركات علي جاسم محدودة وانتهت المواسم بهبوط الفريقين لاحقا، قبل أن ينتقل علي جاسم نهائيا إلى زاخو في آب 2026.

وفي تركيا، بدأ حسن عبد الكريم “قوقية” موسمه مع تشوروم من دون دقيقة لعب في أول جولتين، وهي حالة لا يمكن الحكم عليها مبكراً لكنها تعكس هشاشة بعض تجارب الاحتراف منذ بدايتها.

وبالفعل، بعد اسبوعين جرى الاعلان اليوم عن انتقال “قوقية” من الفريق ليذهب الى ناد آخر على سبيل الإعارة والحصول على دقائق لعب أكثر، لتنتهي التجربة قبل أن تبدأ رغم أن قوقية من أفضل المواهب العراقية الشابة في ملاعب كرة القدم.

والظاهرة هذه ليست جديدة؛ فاللاعب نشأت أكرم، أحد أبرز نجوم جيله، لعب مع تفينتي 68  دقيقة فقط في الدوري الهولندي و47 دقيقة في الدوري الأوروبي، بينما حصل شيركو كريم مع غراسهوبرز على 224  دقيقة في الدوري السويسري خلال موسمين.

ولا تعني هذه الأرقام أن التجارب متشابهة أو أن أصحابها افتقروا إلى الموهبة، لكنها تكشف الفارق بين الحصول على عقد خارجي وبين بناء مسيرة احترافية تدوم وتتطور.

المشكلة تبدأ قبل أول عقد احترافي

البحث عن الأسباب يعيد النقاش إلى مرحلة تسبق سفر اللاعب بسنوات. فالاحتراف لا يبدأ عند توقيع العقد، وإنما من طريقة اكتشاف الطفل وتدريبه، وعدد المباريات التي يخوضها، ونوعية مدربيه، والملاعب التي يتدرب عليها، والبيئة الإدارية والتعليمية التي ترافق تطوره.

ومؤشرات الإصلاح الحالية تكشف حجم الحاجة إلى بناء هذه القاعدة. فمشروع الاتحاد العراقي مع “لاليغا” أطلق دوريات لكرة القدم القاعدية تضم أكثر من 4  آلاف لاعب و750 عاملا محترفا، إلى جانب متابعة أكثر من 800  لاعب للمنتخبات العمرية، فضلا عن برامج لتطوير المدربين وإدارة البنى التحتية والمواهب.

لكن المشكلة لا تقتصر على الملاعب والتدريب. فالوسط الرياضي العراقي شهد على مدى سنوات اتهامات متكررة بشأن المحسوبية والمنسوبية في الاختيارات؛ وظهرت هذه الاتهامات في ملفات الفئات العمرية وتزوير الأعمار سابقا، كما تتكرر حتى اليوم شكاوى بشأن تقديم العلاقات على الكفاءة في بعض المواقع الفنية. وهي مشكلة، إن حضرت في مراحل اكتشاف اللاعب، قد تحرم موهبة من فرصتها وتمنح أخرى مسارا لا يستند بالكامل إلى الجدارة. وبالإضافة إلى ذلك، يقف جزء كبير من الإعلام الرياضي حائل دون تطوير الكرة واللاعب العراقي، فيما تمارس وجوه اعلامية ورياضية كثيرة ومعروفة عمليات سمسرة وتسويق لهذا اللاعب على حساب ذلك مقابل استلام أموال أو حوافز ومخصصات نفعية.

الاحتراف ثقافة قبل أن يكون عقدا

ويجمع المختصون في مناسبات كثيرة ويقولون أنه حتى اللاعب الموهوب قد يصطدم خارج العراق بتفاصيل لا تظهر في الملعب وحده. فالنادي المحترف يطلب انضباطا في التدريب والنوم والغذاء، وقدرة على تنفيذ التعليمات والتعامل مع المنافسة والجلوس على مقاعد البدلاء، فضلا عن التأقلم مع مجتمع جديد. وهنا تصبح اللغة جزءا من أدوات اللاعب، لا مسألة ثانوية.

ويقدم المغربي إسماعيل صيباري نموذجا للمقارنة بعد انتقاله إلى بايرن ميونخ؛ إذ يتحدث العربية والفرنسية والإسبانية والإنجليزية والهولندية، وقال إن الألمانية ستكون لغته السادسة. ولا تعني اللغات الخمس أنها سبب نجاحه، لكنها تكشف اتساع مفهوم إعداد اللاعب القادر على الانتقال بين البيئات والاندماج سريعا داخل غرفة الملابس وفهم المدرب والتفاصيل التكتيكية.

ومن هنا يبرز سؤال لا يحظى بالاهتمام الكافي في العراق: هل يُعد اللاعب منذ الفئات العمرية لحياة المحترف بكل متطلباتها، أم يظل التركيز الأكبر منصبا على موهبته داخل الملعب، ثم يُطلب منه تعلم بقية شروط الاحتراف بعد وصوله إلى الخارج؟

الدوري.. خطوة أخيرة أم بداية الفجوة؟

وتظهر المشكلة مجددا عندما يصل اللاعب إلى الفريق الأول. فالتألق في الدوري العراقي لا يعني تلقائيا الجاهزية للإيقاع الذي يواجهه في الخارج، حيث ترتفع المنافسة على المركز وتزداد شدة التدريب والمتطلبات البدنية والتكتيكية، ويصبح الحفاظ على المكان أصعب من الحصول عليه.

العراق يحاول خلال السنوات الأخيرة رفع معايير دوري نجوم العراق بالتعاون مع “لاليغا”، فيما تشير دراسة أكاديمية حديثة تناولت تطبيق المعايير الإسبانية إلى استمرار الحاجة إلى تطوير الحوكمة والبنى التحتية والإدارة والمعايير الفنية والتنظيمية في الأندية.

وفي المقابل، يحتاج اللاعب نفسه إلى الصبر على مرحلة التأقلم. فتجربتا إبراهيم بايش وأيمن حسين تؤكدان أن اللاعب العراقي يستطيع الحصول على دقائق وترك أثر خارجيا، لكن الاستمرار لسنوات في مسار تصاعدي يبقى نادرا. وعندما تكون العودة إلى الدوري المحلي أو الانتقال إلى دوري عربي أكثر ضمانا للمشاركة وربما أكثر جاذبية ماديا، يصبح تحمل موسم صعب أو انتظار الفرصة في أوروبا اختبارا إضافيا لثقافة الاحتراف، لا للموهبة وحدها.

كما ان تردِ الدوري المحلي فنيا وضخامة أموال العقود فيه التي تصل إلى المليارات، جعلت قسم كبير من اللاعبين يتكاسلون لأنهم يقبضون أموالا هائلة مقابل مستويات فنية ادنى من المتوسط، وهذا يتطلب مراجعة شاملة بالجوانب المالية وتمويل الصفقات ومحاسبة الأندية كونها ليست استثمارية وتتقاضى موازنات من مؤسسات الدولة، الامر الذي يبدوا وكأنه أشبه بهدر مالي بحاجة إلى الضبط والترشيد.

أزمة لاعب أم أزمة منظومة؟

في المحصلة، لا تبدو محدودية حضور اللاعب العراقي خارجيا مشكلة موهبة بقدر ما هي حصيلة منظومة كاملة تبدأ من اكتشاف اللاعب وتكوينه، وتمر بالأكاديميات والمدربين والبنى التحتية والدوري والإدارة، ولا تنتهي عند ثقافته الشخصية وانضباطه وقدرته على التأقلم.

وبين ضعف المؤسسات الرياضية، وتهميش الاستثمار طويل الأمد في صناعة اللاعب، والاتهامات المتكررة بالمحسوبية في بعض مراحل الاختيار، يصبح الوصول إلى مستوى دولي مستقر أكثر صعوبة.

ولهذا فإن قياس تطور الكرة العراقية لا ينبغي أن يتوقف عند عدد اللاعبين الذين يوقعون عقودا خارجية، بل عند عدد من يستطيعون البقاء والتطور والانتقال إلى مستويات أعلى. فالاحتراف الحقيقي لا يبدأ بصورة توقيع العقد، وإنما بقدرة اللاعب على الصمود بعده؛ وهذه القدرة تصنعها سنوات من الإعداد قبل أن يغادر العراق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى