
يبلغ كاظم الساهر اليوم عامه التاسع والستين، بعد أكثر من أربعة عقود من الحضور الفني الذي بدأ من العراق واتسع عربيا ودوليا وعالميا. صنع خلال هذه السنوات لونا موسيقيا خاصا، وقدم الأغنية العراقية والقصيدة العربية بصيغة وصلت إلى جمهور واسع ورسخت اسمه في الذاكرة الفنية. مسيرته تفتح اليوم سؤالا عراقيا مهما: هل نال الساهر في بلده ما يوازي مكانته ومنجزه؟
من البدايات الصعبة إلى الطريق العربي
ولد الساهر في الموصل عام 1957، وانتقل مع عائلته إلى بغداد وهو في العاشرة، ونشأ في ظروف مادية دفعته إلى العمل مبكرا. باع المثلجات والكتب، وعمل في مصنع للنسيج حتى جمع ثمن آلة موسيقية، ثم درس الموسيقى في بغداد ست سنوات وعمل مدرسا قبل أن يثبت نفسه كمغن وملحن.
في تلك المرحلة تشكل جانب مهم من هويته الغنائية مع شعراء عراقيين رافقوا بداياته. كان عزيز الرسام من أبرزهم، وقدم معه أعمالا صنعت انطلاقته مثل “عابر سبيل” و”عبرت الشط”. ثم بدأ تعاونه مع كريم العراقي في “شجاها الناس”، مقدمة مسلسل “نادية” عام 1987، قبل أن تتحول العلاقة إلى واحدة من أطول الشراكات في تاريخ الأغنية العراقية، وتجاوز نتاجهما المشترك 50 عملا بحسب مصادر مختصة.
لون جمع الشارع بالقصيدة
لم تقف قيمة الساهر عند انتشار أغنياته. مشروعه صنع مساحة خاصة في الغناء العربي، حافظ فيها على الجملة العراقية وفتح بابا واسعا للقصيدة الفصحى داخل الأغنية الجماهيرية. وجاء تعاونه مع نزار قباني ليشكل نقطة تحول عبر أعمال مثل “مدرسة الحب” و”زيديني عشقا” و”الرسم بالكلمات”.
قدم القصيدة ببناء لحني طويل وانتقالات مقامية وتوزيعات أوركسترالية، من دون أن يفقد صلته بالمستمع العادي. هذه الصيغة منحته قدرة نادرة على الوصول إلى جمهور الأغنية العراقية ومستمع الشعر والموسيقى المركبة في وقت واحد، وأسهمت في تثبيت حضوره عربيا.
من العراق إلى مسارح العالم
في التسعينيات اتسع حضوره خارج المنطقة. يوثق أرشيف Royal Albert Hall حفله في لندن يوم 30 يونيو 1997 بمصاحبة فرقة وأوركسترا. وفي 2004 حصد جائزتي الشرق الأوسط وشمال افريقيا والجمهور في جوائز BBC Radio 3 للموسيقى العالمية.
وعندما عينته اليونيسف سفيرا اقليميا عام 2015 قالت إن مبيعاته تجاوزت 30 مليون ألبوم منذ بداية مسيرته، بعد أن عمل سفيرا للمنظمة في العراق خلال 2011 و2012. هذا الانتشار لم يبعده عن هويته الاصلية، وظلت اللهجة والجملة الموسيقية العراقية حاضرتين في جزء اساسي من أعماله.
العراق حاضر في صوته
لم يكن العراق محطة غادرها الساهر بعد الشهرة. ظهر في أعمال وطنية مثل “بغداد لا تتألمي”، ودخلت أغنية “سلام عليك” لاحقا نقاشا عراقيا حول اعتمادها نشيدا وطنيا. وفي 2026 عاد بقوة إلى اللون العراقي في أغنية “متى”، ثم ألبوم “بلا عنوان” الذي ضم أعمالا لشعراء عراقيين، بينهم كريم العراقي ولميعة عباس عمارة وعزيز الرسام.
هذا الارتباط المستمر يجعل سؤال حضوره داخل العراق أكثر الحاحا. فالفنان الذي حمل اسم بلده على مسارح عربية ودولية بقي حضوره الفني داخل بلده محدودا طوال معظم مرحلة ما بعد 2003.
هل نال كاظم استحقاقه في العراق؟
لا يمكن القول إن المؤسسات العراقية تجاهلته بالكامل. وزارة الشباب والرياضة وجهت له في يونيو 2021 دعوة رسمية للمشاركة في افتتاح أو ختام خليجي 25. لكن الملف نفسه كشف ارتباكا واضحا في التعامل الرسمي معه. فالوزارة نفت لاحقا أن يكون قد اعتذر رسميا، ثم سبقت بطولة 2023 أخبار متضاربة عن مشاركته، وأعلن محافظ البصرة حضوره من دون إعلان مماثل من الساهر.
غيابه تحول بسرعة إلى مادة للهجوم. انتشرت اتهامات بأنه رفض بلده أو طلب مبالغ كبيرة مقابل المشاركة، ووصلت بعض التعليقات إلى التخوين والتنكر للوطن. الساهر رد بعد البطولة نافيا رواية المال، وقال: “كل ما قيل بشأن هذه الجزئية غير صحيح وغير صادق”، ثم حسم علاقته بالعراق بعبارة واضحة: “هذا بلدي ولا أحتاج شخصا يوجه لي دعوة حتى أقوم بزيارته”.
من النقد إلى حملات الشيطنة
قصة خليجي 25 قدمت نموذجا لكيف يمكن أن يتحول خبر غير محسوم إلى محاكمة وطنية. وفي يونيو 2026 تجددت حملة أخرى بعد ظهور الساهر في برنامج ABtalks، وامتد الجدل من نقد أقواله إلى محاولة النيل من تجربته ومكانته، وهي حملة وثقتها وسائل إعلام عراقية وعربية.
لا تتوافر أدلة تكفي للقول إن جهة واحدة تدير هذه الحملات، لكن حملات التسقيط تقاطعت مع خطاب متشدد داخل العراق يعادي الموسيقى والحفلات وينظر بريبة إلى الفنون. وتوجد قراءات عراقية تخصصية حديثة عن غياب الساهر، حيث ربطت هذا الغياب ببيئة لم تستعد فيها الدولة دورها في حماية الثقافة وتوفير مساحة آمنة للفن.
هنا يصبح الخلاف أكبر من نقد أغنية أو موقف. الساهر لم يعرف عنه بناء حضوره على الخصومات السياسية أو مهاجمة الآخرين، ولم يحتج طوال مسيرته إلى سجالات كي يبقى حاضرا. لذلك تبدو محاولات شيطنته جزءا من مشكلة أوسع تمس طريقة التعامل مع الرموز العراقية التي صنعت حضورها عبر عقود.
الذاكرة العراقية لا تبنى من الصفر
كاظم الساهر ليس فوق النقد، ولا تحتاج الرموز الوطنية إلى تقديس. لكن مراجعة تجربة فنية شيء، وشطبها شيء آخر. الساهر نقل الأغنية العراقية إلى جمهور عربي واسع، وحمل القصيدة إلى مساحة جماهيرية، ووصل إلى مسارح دولية معروفة، وبقي العراق عنصرا ثابتا في هويته الفنية.
المشكلة تصبح أوسع من اسم فنان حين تعجز المؤسسات عن احتضان رموز البلد، ثم تترك المجال لسجالات المنصات وخطابات التشدد كي تحدد قيمتهم.
وفي آب 2026 سجل الساهر محطة دولية جديدة بانضمامه إلى أكاديمية التسجيل الأمريكية Recording Academy، الجهة المنظمة لجوائز غرامي، بعد دعوة رسمية للانضمام إلى دفعة أعضاء العام.
وفي عامه التاسع والستين لا يحتاج الساهر إلى شهادة جديدة على نجوميته. السؤال موجه إلى الدولة نفسها: كيف تحفظ رموزها الثقافية، وكيف تمنحهم مساحة في بلدهم توازي المكانة التي صنعوها خارجه؟



