
لقيت دعوة وزير التربية القادرين إلى مساندة المدارس والتبرع لها، اعتراضات واسعة ونقدا لاذعا، في بلد ما يزال يعاني نقصا يقدر بنحو 13 ألف مدرسة، فضلا عن مئات المدارس الكرفانية والطينية. وبين انتقادات حمّلت الحكومات مسؤولية تدهور التعليم، برز جانب آخر يتعلق بدور المجتمع نفسه في حماية المدرسة ودعمها، من دون أن تتحول مساهمته إلى بديل عن واجبات الدولة.
دعوة الوزير.. غضب مفهوم ومشكلة أقدم
بدأ الجدل من منشور لوزارة التربية حمل عبارة “مدارسنا لأبنائنا… فلنكن جميعا سندا لها”، قالت فيه إن الوزير عبد الكريم عبطان الجبوري دعا إلى تفعيل مجالس الآباء وحث القادرين والميسورين على مساندة المدارس والتبرع لها. الدعوة بدت بسيطة في ظاهرها، لكنها جاءت في قطاع أنهكته سنوات طويلة من نقص الأبنية والاكتظاظ والدوام المزدوج والثلاثي، ولذلك تلقاها كثيرون باعتبارها طلبا جديدا من المواطن لدفع كلفة خدمة يفترض أن تتكفل بها الدولة.
الغضب هنا ليس منفصلا عن واقع التعليم. فالأسرة العراقية تدفع أصلا للنقل والقرطاسية والدروس الخصوصية، ويلجأ جزء منها إلى المدارس الأهلية هربا من مشكلات المدرسة الحكومية. وحين تطلب الوزارة من القادرين أن يساندوا المدارس، يصعب فصل الدعوة عن سنوات من العجز الحكومي والفساد في قطاع التربية، حتى لو كانت المساهمة الاجتماعية في أصلها فكرة طبيعية وموجودة في النظام التربوي منذ عقود.
المشكلة، لذلك، ليست في أن يتبرع رجل أعمال بطلاء مدرسة أو يصلح أحد أولياء الأمور أجهزة التبريد فيها. الاعتراض يبدأ عندما تبدو مساهمة الناس وكأنها حل للفجوات التي تركتها الحكومات، أو عندما يسبق طلب الدعم من المواطن تقديم حساب واضح عما أنفقته الدولة وما أنجزته وزارتها.
15 عام من المشاريع.. ونقص هائل
الأرقام التي تعلنها وزارة التربية تكفي وحدها لوصف حجم الإخفاق المتراكم. ففي أحدث بياناتها، قال الوزير إن العراق يحتاج إلى نحو 33 ألف مدرسة مقابل قرابة 20 ألف بناية مدرسية متاحة ببنى تحتية سليمة، بفجوة تبلغ نحو 13 ألف مدرسة، إلى جانب الحاجة إلى إنهاء الدوام الثنائي والثلاثي. كما تشير الأرقام التي أعلنها الوزير إلى وجود 840 مدرسة كرفانية و102 مدرسة طينية حتى الآن.
هذه الفجوة لم تتشكل خلال عام أو ولاية وزير واحد. مشروع الأبنية المدرسية المعروف بـ”مشروع الوزارة رقم واحد” أُحيل منذ 2011، لكن وزارة التربية ما تزال في أيلول 2026 تشكل لجانا لتحديث تصاميمه، ومعالجة المدارس المسحوب العمل منها وذات نسب الإنجاز المتدنية. وضمن جزء من المشروع تابعت وزارة التخطيط هذا العام عقدا لإنشاء 93 مدرسة بلغت نسبة إنجازه الفعلية نحو 70 بالمئة.
الوزير نفسه اختصر قسوة المشهد حين وصف استمرار المدارس الكرفانية والطينية بأنه “من المعيب مع حجم الموازنات”. العبارة لا تدين وزارة بعينها بقدر ما تلخص حصيلة حكومات ووزراء تعاقبوا على قطاع ظل نقص الأبنية فيه قائما رغم الموازنات والبرامج واللجان والعقود.
ويصبح المشهد أشد تناقضا مع ما كشفه الوزير عن أملاك الوزارة نفسها، إذ قال: “وجدت إهمالا لأملاك الوزارة وأوقفت استثمارات تمتد إلى 40 عاما”. وأضاف: “أراضٍ مدرسية في مواقع تجارية استُغلت تحت عناوين الهدم والبناء لاحالتها إلى الاستثمار”.
الأهلي يتمدد على أرضية ضعف الحكومي
لم يبق ضعف المدرسة الحكومية محصورا في بناية متهالكة أو صف مكتظ. فخلال سنوات، تمدد التعليم الأهلي بسرعة، بينما بقيت أزمة الأبنية الحكومية واحدة من أعقد مشكلات القطاع. وسبق لوزير التربية الأسبق علي حميد الدليمي أن قال بوضوح: “الوزارة توجهت نحو التعليم الاهلي بسبب نقص الابنية المدرسية”.
وأضاف أن الوزارة “اضطرت إلى القبول بفتح مؤسسات أهلية في عقارات جرى تغييرها وتأهيلها لتكون مدارس”.
والأرقام توضح حجم التحول. ففي العام الدراسي 2017-2018 كان العراق يضم 1,032 مدرسة ابتدائية أهلية من أصل 15,965 مدرسة ابتدائية، بنسبة 6.5 بالمئة. وبحلول 2023-2024 ارتفع مجموع المدارس الابتدائية إلى 19,518 مدرسة، وأصبحت المدارس الأهلية تمثل 9.6 بالمئة منها، أي ما يقارب 1,870 مدرسة. وهذا يعني أن عدد الابتدائيات الأهلية ارتفع بنحو 81 بالمئة خلال ست سنوات.
وجود التعليم الأهلي ليس مشكلة بحد ذاته، ولا يمكن اختزال توسّعه كله بالفساد أو بالمصالح. لكن الخلل يبدأ حين يصبح ضعف المدرسة الحكومية أحد الأسباب التي تدفع العائلة إلى شراء تعليم بديل، فتنتقل كلفة العجز تدريجيا من الموازنة العامة إلى دخل الأسرة. والأشد إزعاجا أن هذا المسار ترافق مع سنوات بقيت فيها آلاف المدارس المطلوبة بلا بناء، فيما كشفت الوزارة نفسها عن إهمال أملاك تربوية ومحاولات لاستثمار بعضها بعيدا عن الحاجة المدرسية.
وهكذا نشأ واقع غير متوازن، مدرسة حكومية تعاني نقص الأبنية والخدمات، وسوق تعليم أهلي يتسع عاما بعد آخر. وفي مثل هذا الواقع يصبح من حق الناس التشدد في محاسبة أي مسؤول يطلب منهم المساهمة، لأن الأسرة التي دفعت ثمن ضعف الحكومي مرة عبر الدروس والنقل وربما التعليم الأهلي، لا ينبغي أن تدفعه مرة أخرى بديلا عن الدولة.
المدرسة ليست ملكا للوزارة وحدها
لكن تحميل الحكومات مسؤولية هذا التدهور لا يجعل المجتمع خارج الصورة. المدرسة التي تبنيها الدولة من المال العام لا تصبح ملكا للوزير أو مدير التربية، بل تبقى مرفقا لأبناء المنطقة، وما يتعرض له أثاثها وجدرانها ومرافقها من تخريب يدفع ثمنه التلاميذ أنفسهم.
وسجلت مدارس عراقية حالات تخريب متعمد للأثاث والممتلكات، وصلت في إحدى الوقائع إلى اتخاذ عقوبات بحق طلبة بعد ثبوت مشاركتهم في التخريب. مثل هذه الحوادث لا تعفي الإدارة من واجب الصيانة والرقابة، لكنها تكشف جانبا آخر من الأزمة، يتعلق بالطريقة التي ينظر بها بعض الأفراد إلى المال العام وكأنه مال بلا صاحب.
لا تستطيع موازنة، مهما كبرت، أن تعالج مدرسة يعاد تحطيم ما يصلح فيها باستمرار. المقعد الذي يكسره طالب سيجلس بعده طالب آخر على الأرض، والنافذة التي تحطم في الشتاء لا تؤذي الوزير، بل الصف نفسه. ومن هنا تصبح حماية المدرسة مسؤولية اجتماعية موازية لمسؤولية الدولة عن بنائها وتجهيزها.
وهذا هو الفارق بين أن تطلب الحكومة من الأهالي بناء ما عجزت هي عن بنائه، وبين أن يتعاون أهل المنطقة على حماية الموجود وتطويره. الأولى قد تتحول إلى تنصل من الواجب العام، أما الثانية فهي جزء طبيعي من علاقة المجتمع بمدرسته، خصوصا حين تكون المساهمة طوعية ومعلنة ولا تُفرض على العائلات تحت أي عنوان.
حين يدفع المعلم من جيبه
ان المساهمة في المدرسة ليست فكرة طارئة، وهناك نماذج سبقت دعوة الوزير بسنوات. ففي 2019 أعلنت وزارة التربية أن مدرسة المعرفة الابتدائية في ديالى أنجزت صفين دراسيين بكلفة 20 مليون دينار دفعها الكادر التعليمي وأولياء الأمور، ضمن حملة حملت اسم “مدرستنا بيتنا”.
هذه الصورة تتكرر بأشكال أصغر في مدارس كثيرة، حين يشارك معلم أو ولي أمر في صيانة مقعد أو كهرباء أو حديقة أو مستلزم لا يحتمل انتظار الإجراءات الحكومية. ولا يبدو منطقيا أن يصبح كل جهد من هذا النوع دليلا على تخلي الدولة عن واجبها، خصوصا إذا كان تطوعيا ومعلنا.
ومجالس الآباء يفترض أن توفر إطارا أوسع من جمع المال. فبين أولياء الأمور مهندسون وأطباء ومحامون وحرفيون وأصحاب أعمال يمكن أن يقدموا وقتا وخبرة وخدمة، لا نقودا فقط. والنظام الخاص بهذه المجالس جعل من أهدافها توثيق العلاقة بين البيت والمدرسة، وتحسين البيئة المحلية، والمساهمة في صيانة المدرسة ومستلزماتها، كما أجاز لها قبول التبرعات والهبات.
وفي آب 2026 عادت وزارة التربية لتشدد على تفعيل هذه المجالس وعقد اجتماعين على الأقل خلال العام الدراسي، في محاولة لجعل العلاقة بين الأسرة والمدرسة أكثر انتظاما من لقاء عابر عند ظهور مشكلة تخص الطالب.
تعاون لا يتحول إلى جباية
لكن الشراكة الاجتماعية تفقد معناها لحظة تتحول إلى إلزام. فالأسرة التي تريد مساعدة المدرسة شيء، وإدارة تضع الطالب أو ولي أمره أمام طلب مالي لا يستطيع رفضه شيء آخر تماما.
وهذا التفريق مهم في بيئة يمكن أن تتحول فيها أي نافذة مالية غير واضحة إلى منفعة شخصية أو وسيلة ضغط. وجود حالات فساد أو استغلال داخل المؤسسات التعليمية لا يلغي فكرة التعاون، لكنه يجعل الشفافية شرطا أساسيا لأي مساهمة.
كما أن نظام مجالس الآباء وضع أصلا مسارا ماليا للمجلس، فنص على إقرار الموازنة وتدقيق الحسابات ومراقبة الصرف، وعلى أن يتم الإنفاق بتوقيع رئيس الهيئة الإدارية وأمين الصندوق. أي أن التبرع، حين يتم، ليس من المفترض أن يكون مبلغا يوضع بيد المدير ويتصرف به منفردا. والوزارة نفسها نفت في شباط 2026 وجود أي قرار أو توجه لفرض جباية مالية على طلبة المدارس.
لذلك لا يصح استخدام حالات الابتزاز المحتملة ذريعة لرفض كل مساهمة، كما لا يصح استخدام “المشاركة المجتمعية” غطاءً لتحميل الأسر نفقات المدرسة. المطلوب أن يبقى المال اختياريا ومعلنا وخاضعا للحساب، وأن يبقى الطالب بعيدا عن أي ضغط بسبب قدرة عائلته على الدفع أو عجزها عنه.
حين كان مجلس العزاء يجمع المال لمدرسة
للعراقيين تاريخ أقدم من الدولة الحديثة في تمويل التعليم ومساندته. فالكتاتيب التي انتشرت في المساجد والبيوت لم تقتصر على تحفيظ القرآن، بل ارتبط بها تعليم القراءة والكتابة ومبادئ اللغة، قبل أن تتطور أشكال التعليم وتظهر المدارس الحديثة.
وتقدم الكاظمية مثالا لافتا من عام 1921. فقد وثقت الصحافة العراقية آنذاك جمع 6100 روبية خلال دقائق في مجلس عزاء حسيني، بعد دعوة الحاضرين إلى المساهمة في تأسيس مدرسة أهلية وتجهيز أثاثها. ولم تكن المناسبة الدينية يومها منفصلة عن الحاجة إلى التعليم، بل تحولت إلى مكان لجمع المال من أجله.
هذه المقارنة أكثر فائدة من وضع المدرسة في خصومة مع الجامع أو الحسينية. فالعراق يشهد إنفاقا وتبرعا واسعا في المجالات الدينية والخيرية، فيما تبدو ثقافة الوقف للمدرسة والمكتبة والمختبر أضعف مما ينبغي في بلد يحتاج إلى آلاف الأبنية التعليمية. وكان ممكنا أن يمتد التنافس الاجتماعي في بناء دور العبادة ورعايتها إلى بناء المدارس وتجهيزها وكفالة مكتباتها ومختبراتها.
ولا يزال ذلك ممكنا. ففي بابل، افتتحت وزارة التربية عام 2018 مدرسة للبنات على أرض مساحتها دونمان تبرع بها أحد وجهاء المنطقة، فيما ساهم أهالي القرية بنحو 60 مليون دينار في عملية البناء. المدرسة ضمت تسعة صفوف واستوعبت نحو 450 طالبة، وأسهمت في تخفيف الاكتظاظ والدوام المزدوج والثلاثي.
وليس المطلوب أن تستعيد المؤسسة الدينية وظيفة المدرسة، لكن يمكن أن تستعيد جانبا من الصلة القديمة بين التدين والمعرفة. تعليم القرآن كان في جانب من التجربة التاريخية طريقا إلى القراءة واللغة، بينما لا يقدم التلقين المذهبي المغلق، حين يحل محل المعرفة، شيئا لرفع مستوى الطالب العلمي أو اللغوي. ويمكن للمسجد والحسينية وغيرهما أن يكونا جزءا من دعم التعليم، لا منافسين له، عبر مكتبة أو دورة قراءة أو تبرع لمدرسة أو مساعدة طالب محتاج.
الدولة تبني.. والمجتمع يحمي ويشارك
لهذا لم تكن دعوة وزير التربية إلى مساندة المدارس خاطئة في أصلها، لكن توقيتها اصطدم بتاريخ ثقيل من التقصير الحكومي.
فالمواطن الذي يسمع أن بلده ما زال يحتاج إلى 13 ألف مدرسة، وأن فيه 840 مدرسة كرفانية و102 طينية، ويقرأ في الوقت نفسه عن مشاريع متلكئة وأملاك مدرسية تعرضت للإهمال أو الاستثمار، لن يستقبل طلب المساعدة بمعزل عن كل ذلك.
الحكومات المتعاقبة ووزارات التربية تتحمل المسؤولية الأولى عن بناء المدرسة وتجهيزها وصيانتها وتوفير تعليم حكومي قادر على منافسة الأهلي. ولا يجوز أن تصبح التبرعات طريقة رخيصة لسد نقص الموازنة، أو أن يُطلب من الأسرة تمويل ما يفترض أن يكون حقا مكفولا لابنها.
لكن هذه المسؤولية لا تمنح المجتمع إعفاءً كاملا. فالمدرسة التي تُكسر مقاعدها ويُخرب أثاثها هي مدرسة أبنائه، والمعلم الذي يدفع من راتبه لإصلاح صف لا ينبغي أن يبقى وحده، والمقتدر الذي يستطيع أن يضيف مكتبة أو مختبرا أو جهاز تبريد لا يخدم الوزير، بل يخدم أطفال منطقته.
حتى القوانين والتعليمات التربوية العراقية لم تعتبر الهبة والوقف أمرا غريبا عن المدرسة. فمنذ عقود القرن الماضي نظمت وزارة التربية قبول الهبات والوصايا والأوقاف، واشترطت توثيقها وتسجيل إيراداتها ونفقاتها وتوجيهها إلى حاجات المؤسسة التعليمية.
المعادلة، في النهاية، ليست أن تدفع الدولة أو يدفع الأهالي. الدولة مسؤولة عن المدرسة كاملة، والمجتمع مسؤول عن ألا يتعامل معها كشيء لا يعنيه. وبين المسؤوليتين فرق واضح: أن يتبرع المواطن لمدرسته فضيلة اجتماعية، أما أن تحتاج الدولة إلى تبرعه كي تؤدي واجبها فذلك فشل حكومي.



