
من بغداد التي ارتبط اسمها تاريخياً بالكتاب والمعرفة، تعود قضية منع الكتب إلى الواجهة، بعد مصادرة كتاب الباحث العراقي علي المدن “تخوم الوعي الديني” من جناح دار الحكمة خلال فعاليات معرض بغداد للكتاب 2026.
الواقعة أعادت إلى الذاكرة مشاهد تاريخية ارتبطت ببغداد، أبرزها تدمير المدينة على يد المغول عام 1258 وما رافقه من حرق ونهب للمكتبات، وفي مقدمتها بيت الحكمة، في واحدة من أكبر الكوارث التي أصابت الذاكرة العلمية والفكرية للمدينة.
واليوم، أثارت مصادرة الكتاب تفاعلاً واسعاً بين كتاب ومثقفين عراقيين، فتح الباب أمام نقاش جديد بشأن حرية الفكر والتعبير، وحدود تدخل الجهات الأمنية والرقابية في النتاجات الفكرية والأدبية، في ظل فضاء مشحون بالتحريض الطائفي والعنف، وتمارسه جماعات بصورة علنية لا يردعها الجانب الرقابي والأمني، وتصل احيانا إلى الاعتقاد بان هذه الجماعات محمية من المساءلة عن ممارسات تثير الاحتقان المجتمعي.
احترموا عقلنا يا أرباب الجهل!
وفي هذا السياق، قال الكاتب طالب عبد العزيز إن “بعد تغرّب وشقاء عاد الباحث الكبير والعقل المشعّ د. علي المدن إلى مدينته البصرة وعراقه الذي اضطر لمغادرته السنين الطوال، ليسهم في ترسيخ مبادئ وأسس الدولة العراقية عبر منظومة تفكير خلاقة، بعيدة عن التطرف والإقصاء، مبادئ ما أحوجنا لها”.
وأضاف أن “اليوم الجهات الرقابية في معرض الكتاب ببغداد – التي كانت دار السلام – برواية الأصمعي تصادر وتمنع كتابه الأهم (تخوم الوعي الديني) بذرائع غير مبين عنها. معيب هذا والله. احترموا عقلنا العراقي يا أرباب الجهل”.
يذكرنا بالسلطة الصدامية
من جانبه، قال الكاتب سليم سوزه إن “أيُّ زمنٍ هذا الذي يتهاوى فيه سقف أحلامنا العالي في دولة عراقية مدنية ديمقراطية بعد 2003 تسود فيها الحريّات والعدالة والمواطنة والحقوق المدنية إلى محض منشور ندافع فيه عن كتاب فكري صادرته السلطات في معرض الكتاب في بغداد!”.
وأضاف أن “الأمن الوطني اقتحم معرض الكتاب المقام حالياً في بغداد ليُصادر كتاب الصديق الدكتور علي المَدَن (تخوم الوعي الديني)، ذلك الكتاب الذي كان لي الشرف في قراءة مسودته الأولى ومراجعتها قبل الطبع، لا لشيء إلّا لتقول لنا “السلطة” إنّها الوصي الأوّل والأخير على الكتابات وسوق إنتاج الأفكار في عالمٍ لا تحدّد معالمه النقاشات المعرفية الجادّة، بل ايديولوجيا السلطة وحواشيها وتوابعها و”لواحيگها” من الأميّين الجهلة”.
وتابع سوزه أن “هذا الكتاب لا يتجاوز على أحدٍ ولا يحرّض ضد كيانٍ ما أو مجموعة بشرية في العراق. يناقش أفكاراً دينية وسياسية بكل هدوء ورويّة ورشاقة”.
وأشار إلى أن “مَنْعُ هذا الكتاب من التداول من قبل السلطة الحالية يذكّرني بمنع السلطة الدكتاتورية الصدّامية السابقة لكتبٍ سابقة. لقد منعَتْ سلطة صدام كتب “البنيوية” من التداول لأنّ مستشاراً أميّاً جاهلاً ظنَّ أنّ البنيوية مؤامرة صهيو-أمريكية على قيم المجتمع العراقي وتقاليده الأصيلة. لم يكن يفهم أيٌّ من أولئك المستشارين ما معنى البنيوية وقتها، مثلما لا يفهم المستشارون الحاليون ما معنى “تخوم الوعي الديني”. السلطة هي ذاتها مهما أرتدتْ ثياباً مختلفة”.
المنع صار نكتة
أما الروائي أحمد سعداوي، فقال إن “مصادرة كتاب الصديق الدكتور علي المدن من معرض بغداد للكتاب أمر مخزي ومشين، خصوصاً في الوقت الذي تخرس السلطة فيه أمام عشرات الألسنة التي تهذر بالتحريض الطائفي، واستهداف الناشطين والمثقفين وتخوينهم والطعن في أعراضهم وذممهم والتشكيك في وطنيّتهم، بل وحتى السخرية من (الوطنية) نفسها، والمجاهرة بالولاءات العابرة للحدود”.
وأضاف سعداوي: “نحن في 2026، والمنع صار نكتة، بل ربما ارتدّ، وهو ما حصل سابقاً عشرات المرّات، ليزيد من شعبية الكتاب الممنوع، ويسعى لطلبه القرّاء من كلّ مكان”.
وتابع: “بدل إلقاء القبض على المحرّضين ومشعلي الفتن والساعين إلى تمزيق المجتمع العراقي أكثر من التمزيق الحالي، تركض حكومة الزيدي لاعتقال كتاب لا يمكن اعتقاله أصلاً. لا يمكن اعتقال أو مصادرة الفكر والمعرفة”.
وختم سعداوي بالقول: “أنصح رئيس الوزراء الزيدي بإعادة الكتاب إلى رفوف جناح دار الحكمة سريعاً، قبل انتهاء أيام المعرض، وإغلاق هذه السيرة المخزية التي دأبت عليها حكومات سابقة، في أكثر من مناسبة”.



