العراقمجتمعمحليات
أخر الأخبار

بين وصفات «فيسبوك» وتشخيصات ’’ChatGPT’’ .. ماذا بقي من الثقافة الصحية ؟

بين مريض يوقف دواءه بمجرد اختفاء الأعراض، وآخر يختار فحوصه من قائمة متداولة في مجموعة على “فيسبوك” أو من إجابة حصل عليها عبر ,“ChatGPT” تظهر فجوة واسعة في الثقافة الصحية في العراق، ولا تبدأ عند الإصابة بالمرض ولا تنتهي بزيارة الطبيب.

فالصحة، في تفاصيلها اليومية، لا ترتبط بالعلاج وحده، بل بكيفية الوقاية من المرض، والتعامل مع الأدوية، والالتزام بتعليمات الفحوص، وفهم حدود نتائج المختبر، فضلا عن ممارسات قد تبدو شديدة البساطة، مثل غسل اليدين وشرب الماء والحركة والنوم المنتظم.

وفي حديثهما إلى “طريق 24″، يرصد الطبيب جعفر البرقعاوي والمحللة المختبرية دانية ثعبان عددا من السلوكيات التي تكشف مواطن الخلل في الوعي الصحي، ويؤكدان أن مسؤولية تصحيحها لا تقع على المواطن وحده، بل تتقاسمها معه المؤسسات الصحية والمدارس ووسائل الإعلام والمتخصصون.

دواء يتوقف بانتهاء الأعراض

يضع الطبيب جعفر البرقعاوي الاستخدام العشوائي للأدوية في مقدمة المشكلات الواضحة، ولا سيما المضادات الحيوية ومسكنات الألم، إذ يلجأ بعض المرضى إليها من دون استشارة طبية، فيما يوقف آخرون العلاج قبل إكمال المدة المحددة.

ويحذر البرقعاوي من أن الاستخدام العشوائي للمضادات أو عدم إكمال المدة المحددة للعلاج قد يؤدي إلى مقاومة البكتيريا للمضادات، ويؤثر في فاعلية العلاج مستقبلا.

لكن المشكلة لا تتوقف عند اختيار الدواء من دون استشارة؛ فاختفاء أعراض المرض يتحول لدى كثيرين إلى إشارة شخصية بالتوقف عن العلاج، بصرف النظر عن التعليمات الطبية.

ويقول البرقعاوي إن نسبة الذين يتركون العلاج بمجرد توقف الأعراض قد تصل إلى 80 في المئة، مشيراً إلى أن هذا السلوك قد يتسبب في مضاعفات للمريض.

وهكذا، لا يعود الدواء جزءا من خطة علاجية يحددها الطبيب، بل يصبح في بعض الحالات قرارا شخصيا يبدأه المريض حين يشاء وينهيه عندما يشعر بتحسن، من دون الالتفات إلى المدة المحددة أو العواقب المحتملة.

تفاصيل صغيرة تفتح طريقا للعدوى

وبعيدا عن علب الأدوية والوصفات، يرصد البرقعاوي تهاونا في إجراءات أساسية مرتبطة بالنظافة والوقاية، من بينها غسل اليدين وتعقيم الأدوات والعناية بالجروح، فضلا عن عدم الالتزام ببعض تدابير الوقاية.

وقد تبدو هذه الممارسات بسيطة أمام المشكلات الصحية الكبيرة، إلا أن إهمالها قد يزيد، بحسب البرقعاوي، من احتمالية انتقال العدوى، ولا سيما عبر الجروح.

ولا تتطلب بعض مواطن الخلل سلوكا استثنائيا حتى تظهر؛ فهي موجودة في تفاصيل اليوم المعتادة. ويحدد البرقعاوي مجموعة من العادات التي تبدو بسيطة، لكنها قد تقود إلى مشكلات صحية أو مضاعفات، من بينها إهمال غسل اليدين، وسوء التغذية، وقلة شرب الماء، وضعف الحركة، والسهر.

هذه السلوكيات لا تحدث في العيادات، لكنها تصل بنتائجها إليها. إنها تتشكل في البيت ومكان العمل والمدرسة، وتتحول مع التكرار إلى نمط حياة لا ينتبه الفرد إلى أثره إلا عندما تظهر المشكلة.

المختبر بعد فوات وقت الوقاية

وعلى الجانب الآخر من المشهد، تكشف المختبرات الطبية طريقة مختلفة في التعامل مع الصحة. فبدلا من إجراء الفحوص ضمن برنامج وقائي منتظم، ينتظر كثيرون ظهور الأعراض أو تفاقم مشكلة صحية قبل التوجه إلى المختبر.

وتقول المحللة المختبرية دانية ثعبان، إن غالبية المراجعين يقصدون المختبر بعد الشعور بالأعراض، مشيرة إلى وجود فئة تهتم بالفحوص الدورية، لكنها لا تزال محدودة مقارنة بمن لا يجرون التحاليل إلا بعد الشعور بالمرض.

وهنا تفقد الفحوص الوقائية جانبا أساسيا من وظيفتها؛ إذ توضح ثعبان أن فكرتها تقوم على اكتشاف التغيرات الصحية في وقت مبكر، لا انتظار ظهور المشكلة بصورة واضحة.

وترصد ثعبان إهمالا للفحوص المرتبطة بالأمراض المزمنة، مثل قياس سكر الدم والدهون ووظائف الكبد والكلى وضغط الدم، إلى جانب الفحوص التي يحددها الطبيب وفق العمر والجنس والتاريخ العائلي وعوامل الخطورة.

تعليمات لا يلتزم بها الجميع

ولا ترتبط المشكلة بموعد الذهاب إلى المختبر وحده، بل تمتد إلى الاستعداد للفحص وطريقة التعامل مع نتائجه.

وتشير ثعبان إلى أن عدم الالتزام بتعليمات التحليل يمثل واحدا من أكثر الأخطاء شيوعا بين المراجعين، ولا سيما التعليمات المتعلقة بالصيام، أو توقيت أخذ العينة، أو تناول بعض الأدوية قبل إجراء الفحص.

كما يلجأ بعض الأشخاص إلى مقارنة نتائجهم بنتائج أشخاص آخرين، أو الاعتماد على تحاليل قديمة من دون العودة إلى الطبيب، وكأن الأرقام متطابقة في معناها ودلالتها لدى الجميع.

ولا تنتهي الاجتهادات الشخصية عند تفسير النتائج؛ فبعضها يبدأ قبل دخول المختبر. وتروي ثعبان أن المراجع قد يأتي أحيانا حاملا قائمة من التحاليل حصل عليها من إحدى مجموعات “فيسبوك”، أو من“ChatGPT” ، أو من قريب أو صديق، من دون وجود حاجة طبية واضحة إلى إجرائها.

وبذلك يصبح اختيار الفحوص قرارا مبنيا على نصيحة عامة أو تجربة شخص آخر، بدلا من أن يكون خطوة مرتبطة بتقييم طبي لحالة الشخص نفسه.

رقم واحد لا يصنع تشخيصا

قد تمنح نتيجة التحليل صاحبها أرقاما ومؤشرات واضحة على الورق، لكنها لا تمنحه، بحسب ثعبان، تشخيصا نهائيا بمعزل عن الطبيب.

وتقول إن الثقافة الصحية في هذا الجانب تحتاج إلى تعزيز كبير، موضحة أن نتيجة المختبر ليست سوى جزء من الصورة الطبية، وأن الطبيب يربطها بالأعراض والفحص السريري والتاريخ المرضي، وقد يحتاج إلى فحوص أخرى قبل الوصول إلى التشخيص الصحيح.

ومن هنا، تحذر ثعبان من قراءة نتيجة التحليل عبر الإنترنت وتحويلها إلى تشخيص شخصي، أو البدء بعلاج استنادا إلى رقم واحد فقط.

فالمشكلة لا تكمن في رغبة الإنسان بفهم حالته الصحية، بل في تحوّل المعلومات العامة المتاحة إليه إلى بديل عن التقييم الطبي المتكامل، وفي الانتقال من قراءة النتيجة إلى اتخاذ قرار علاجي من دون الرجوع إلى المختص.

المواطن ليس المسؤول الوحيد

وأمام هذه السلوكيات، يبدو من السهل تحميل المواطن كامل المسؤولية، لكن البرقعاوي يرى أن المشكلة أوسع من ذلك، وأن ضعف الثقافة الصحية لا يرتبط بوعي الفرد وحده.

ويؤكد الحاجة إلى برامج تثقيف صحي مستمرة وواضحة تتولاها المؤسسات الصحية والمدارس ووسائل الإعلام، مع تقديم المعلومات الطبية الصحيحة بلغة بسيطة يستطيع الجميع فهمها.

وتتفق ثعبان مع هذا الطرح، إذ ترى أن رفع مستوى الثقافة الصحية يتطلب تعاونا بين المؤسسات الصحية والمتخصصين لإيصال المعلومات الموثوقة إلى الناس.

وفي المقابل، لا تعفي الفرد من مسؤوليته؛ إذ تشدد على ضرورة عدم أخذ النصائح الطبية من مصادر غير مختصة، والابتعاد عن الاستخدام العشوائي للأدوية أو إجراء الفحوص من دون حاجة طبية واضحة.

وبين مسؤولية المؤسسة وقرار الفرد، تتشكل الثقافة الصحية باعتبارها ممارسة يومية، لا مجموعة تعليمات تُستدعى عند المرض فقط. تبدأ من غسل اليدين والعناية بالجروح، وتمر بالالتزام بالعلاج وتعليمات الفحص، وتصل إلى إدراك أن نتيجة المختبر لا تختصر الحالة الصحية كلها.

وما يرصده المتخصصون لا يشير إلى غياب كامل للوعي، لكنه يكشف حاجة واضحة إلى نقله من معلومات متفرقة وردود أفعال متأخرة إلى سلوك منتظم؛ فلا ينتظر المواطن تفاقم المشكلة ليفحص، ولا يتعامل مع تحسن الأعراض بوصفه إذنا بوقف العلاج، ولا يجعل من تجربة قريب أو منشور إلكتروني وصفة تطبق على الجميع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى