
أكد الخبير في مكافحة الفساد سعيد ياسين موسى، اليوم الأحد، أن مواجهة الفساد في العراق لا يمكن أن تعتمد على الملاحقة والتحقيق وحدهما، داعيا إلى استكمال المنظومة التشريعية بقوانين تعالج الثغرات القائمة وتوفر أدوات للوقاية والاسترداد والرقابة، من بينها قانون العقود والمشتريات الحكومية، وقانون حق الحصول على المعلومة، وقانون استرداد عائدات الفساد، فضلا عن تشريع قانون عقوبات جديد يجرّم أفعالا غير مجرّمة حاليا ويشدد العقوبات على جرائم الفساد.
وفي حوار مفصّل أجراه مع “طريق24″، قال موسى إن التأييد السياسي وتكامل أدوار مؤسسات الدولة، بدءا من مجلس النواب ورفع الحصانة عن بعض أعضائه، مرورا بالسلطة التنفيذية والقضاء وهيئة النزاهة، عزز الآمال باستمرار ملاحقة الفاسدين، مشيرا إلى أن عمليات مكافحة الفساد مستمرة وإن شهدت بعض التأخير.
وأوضح أن التحقيقات تتركز حاليا على قطاعي الكهرباء والنفط، فيما توجد ثلاثة قطاعات أخرى ذات أهمية لم تُستكمل التحقيقات فيها بعد، إلى جانب تحريات وتحقيقات تتعلق بالحكومات المحلية.
وأضاف أن نتائج التحقيقات وما تكشفه من تجاوزات على المال العام وعقارات الدولة والأراضي الزراعية يجري الإعلان عنها تباعا، مع ضبط وإلقاء القبض على متهمين بجرائم فساد واعتداء على المال العام.
وأشار الخبير إلى أن البطء الذي قد يرافق بعض الملفات يرتبط بطبيعة التحقيقات ومتطلباتها، مبينا أن القضاء يتعامل مع الأدلة والأوليات وحالات الضبط، وهو ما يتطلب استكمال الإجراءات قبل الانتقال إلى مراحل لاحقة.
وفي مقابل التركيز على الملاحقة، حذر موسى من إهمال جانب الوقاية، قائلا إن المزاج الرسمي والشعبي يتجه بقوة نحو مكافحة الفساد، إلا أن ملف الوقاية يجري تجاوزه أو نسيانه أحيانا، رغم أن منظومة النزاهة تقوم على مسارين متكاملين هما الوقاية من الفساد ومكافحته وردعه.
وشدد على الحاجة إلى إجراءات وقائية واضحة تستند إلى تشريعات ذات جودة، وفي مقدمتها قانون للعقود والمشتريات الحكومية، لافتا إلى أن جانبا كبيرا من جرائم الفساد يرتبط بهذا الملف، سواء عبر تضخم الأموال، أو آليات تأهيل الشركات، أو عدم مراعاة الكفاءة الفنية والمالية والأعمال السابقة، فضلا عن العقود بالباطن والعلاقة بين الشركات الرئيسة والمقاولين الثانويين والتعامل مع الواجهات السياسية.
ولفت إلى وجود صور من استغلال النفوذ السياسي واستثماره والاتجار به لا تزال غير مجرمة قانونيا، ما يستدعي معالجة هذه الثغرات ضمن إطار تشريعي واضح، إلى جانب تشريع قانون عقوبات جديد يتضمن تجريم الأفعال التي لا تغطيها التشريعات الحالية وتشديد العقوبات المقررة على جرائم الفساد.
وأكد موسى أن إصلاح إدارة القطاع العام والوظيفة العامة يمثل جانبا أساسيا من الوقاية، داعيا إلى اعتماد الكفاءة والخبرة والنزاهة في شغل الوظائف، ومشيرا إلى أن التوظيف السياسي يشكل جزءا من المشكلة.
كما دعا إلى إعادة بناء منظومة الرقابة الداخلية، سواء من خلال إعادة تشكيل مكاتب المفتشين أو إنشاء هيئة للرقابة الداخلية أو هيئة للمفتشين ترتبط برئاسة السلطة التنفيذية، مبينا أن السلطة التنفيذية لا تمتلك حاليا ذراعا رقابية خاصة بها، وأن الجهات الرقابية القائمة تقتصر بصورة أساسية على هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية، مع غياب ما وصفه بالرقابة الاستباقية.
وفي جانب الشفافية، أكد موسى أهمية الإفصاح عن المعلومات والنشر الاستباقي وتشريع قانون حق الحصول على المعلومات، موضحا أن هذا القانون مهم للإعلام والمواطنين والباحثين على حد سواء، ويسهم في الحد من الشائعات وتسرب المعلومات غير الدقيقة وتعزيز الثقة بالأداء العام.
وفي الملف المالي، أعرب عن أمله في أن تكون الموازنة المقبلة موازنة برامج قابلة للقياس والمراجعة، منتقدا اتجاه بعض إجراءات تعظيم الإيرادات نحو زيادة الرسوم والضغط على المواطنين، ومعتبرا أن الرسوم يجب أن تتلاءم مع مستوى الدخل اليومي للفرد العراقي.
وأشار في المقابل إلى وجود موارد أخرى يمكن العمل عليها لزيادة إيرادات الدولة، ومن بينها طرح تراخيص التعدين.
ووصف موسى ملف استرداد الأموال والمطلوبين بأنه من الملفات المهمة في مكافحة الفساد، مؤكدا أن العراق حقق، من خلال القضاء وهيئة النزاهة، تقدما في مجال التعاون الدولي، لكنه ما يزال بحاجة إلى إطار قانوني ينظم هذا المسار.
وشدد في هذا السياق على أهمية تشريع قانون استرداد عائدات الفساد، موضحا أنه يوفر الإطار التشريعي لتقديم وتبادل المساعدة القانونية بين العراق والدول الأخرى، بما يساعد في استرداد المطلوبين وتجميد الأموال وحجزها وصولا إلى استردادها.
كما أكد أهمية إشراك المواطنين في جهود مكافحة الفساد من خلال تقديم البلاغات والإخبارات إلى هيئة النزاهة أو الجهات القضائية والادعاء العام، بما يتيح مشاركة مجتمعية فاعلة في ملاحقة جرائم الفساد.
وختم موسى بالإشارة إلى أن ما يبدو أحيانا من فتور أو بطء في الإعلان عن ملفات جديدة قد يرتبط بانتظار استكمال التحقيقات، مؤكدا ثقته بوجود تحقيقات لا يمكن الكشف عن تفاصيلها في مراحلها الحالية بسبب القيود المتعلقة بسرية المعلومات وضرورة عدم إفشائها قبل اكتمال الإجراءات والإعلان الرسمي عنها.



