
بعد لهجة الحزم والتأكيد المتكرر على عدم التراجع عن قرار حصر السلاح بيد الدولة، والتشديد على أن لا خيار بديلا عن نزع السلاح، تبدو الحكومة العراقية، مع اقتراب انتهاء المهلة، أكثر ميلا إلى خفض لغة التصعيد تجاه الفصائل، والبحث عن آليات جديدة لمعالجة الملف.
وتشير المعطيات المتداولة إلى توجه نحو إعادة تعريف موعد الثلاثين من أيلول، ليكون نقطة الشروع الرسمية في بدء عملية تسليم السلاح، على أن تمتد مرحلة التنفيذ لمدة ستة أشهر، بما يتيح مساحة زمنية أوسع لتنفيذ الإجراءات بصورة تدريجية وسلسة.
هذا التحول يفتح الباب أمام تساؤلات عدة، فبينما يراه البعض خطوة تهدف إلى تجنيب العراق صداما داخليا، وفتح مسار للحوار والمرونة بدلا من المواجهة، يراه آخرون انعكاسا لضغوط وإملاءات، داخلية وخارجية، فرضت إعادة النظر في لهجة الحكومة وآلية تعاملها مع الملف.
وبحسب تقارير ومصادر سياسية، تتجه المباحثات التي تجريها لجان من الإطار التنسيقي مع الفصائل الرافضة لتسليم سلاحها نحو صيغة أكثر مرونة، تقوم على إعادة تعريف موعد الثلاثين من أيلول، بحيث لا يكون بالضرورة موعدا لتسليم كامل السلاح، وإنما نقطة انطلاق لمرحلة تنفيذ تدريجية قد تمتد لعدة أشهر. وتؤكد الحكومة في المقابل أن الحوار مع الفصائل مستمر، وأن معالجة الملف يفترض أن تتم بعيداً عن التصعيد والمواجهة.
اللافت في هذا المسار هو تبدل المفردات نفسها، فبعد أن كان الحديث يدور حول نزع السلاح وحصره بيد الدولة، برزت عبارات مثل تنظيم السلاح وإدارة السلاح. وقد يبدو التغيير لغويا، لكنه يعكس، في جوهره، محاولة للانتقال من منطق الفرض إلى منطق التفاوض، ومن معادلة “التسليم الفوري” إلى البحث عن ترتيبات تضمن خضوع قرار استخدام السلاح للدولة، مع الحفاظ على الإطار القانوني للحشد الشعبي. وتظهر بالفعل مؤشرات على فتح قنوات تفاوض مع فصائل ترفض التخلي عن قدراتها العسكرية، بينها كتائب حزب الله وحركة النجباء.
ويأتي ذلك في وقت بات فيه الثلاثون من أيلول موعدا تتقاطع عنده أكثر من قضية: ملف السلاح، ومستقبل الفصائل، وانتهاء مهمة التحالف الدولي. وبينما تربط بعض الفصائل موقفها من السلاح بانسحاب القوات الأجنبية، ترى بغداد أن المرحلة المقبلة يجب أن تكرس سيادة الدولة ووحدة القرار الأمني والعسكري.
الخبير الأمني أثير الشرع يرى أن المشهد يتجه فعليا من فكرة نزع السلاح بصورة فورية إلى إدارته وتنظيمه على مراحل، معتبرا أن ذلك لا يعني إلغاء مشروع حصر السلاح بيد الدولة، بقدر ما يعني إعادة تعريف موعد الثلاثين من أيلول.
ويقول الشرع في حيدثه لـ”طريق 24″ إن الموعد قد يتحول من موعد نهائي للتسليم إلى نقطة بدء للتنفيذ المرحلي، بحيث تبدأ بعده إجراءات واضحة تمتد لعدة أشهر، بدلا من مطالبة جميع الفصائل بتسليم أسلحتها دفعة واحدة، وهو ما قد يفتح الباب أمام مواجهة لا تريدها بغداد.
ويضيف أن جوهر الخلاف لا يتعلق فقط بوجود السلاح، بل بمن يمتلك قرار استخدامه، مضيفا أن دمج الفصائل ضمن هيئة الحشد الشعبي لا يحسم الإشكالية من وجهة النظر الأميركية.
وبين الشرع أن واشنطن لا تنظر إلى المسألة من زاوية الشكل القانوني فقط، فحصول الفصيل على صفة رسمية ضمن الحشد، إلى جانب راتب وموازنة حكومية، لا يعني بالضرورة انتهاء المشكلة إذا بقيت له قيادة مستقلة أو قرار عسكري منفصل، أو علاقات وتسليح وتمويل خارج مؤسسات الدولة، أو قدرة على تنفيذ عمليات من دون أوامر القائد العام للقوات المسلحة.
ويشير إلى أن الحشد الشعبي جزء من المنظومة الأمنية العراقية من الناحية القانونية، إلا أن جوهر الإشكالية يتمثل في مدى خضوع جميع تشكيلاته فعليا لسلسلة القيادة الحكومية، لافتا إلى أن استمرار الجدل حول بعض الفصائل يرتبط بما يثار عن امتلاكها هامشا من الاستقلال في القرار العسكري رغم وجودها ضمن مؤسسة رسمية.
ويعتقد الشرع أن الصيغة المطروحة لمعالجة الملف قد لا تقوم على حل الفصائل، وإنما على فك ارتباطها السياسي والعسكري الخارجي، وتسليم السلاح للدولة، ثم إعادة تنظيم وجودها داخل مؤسسة الحشد الشعبي وفق سلسلة قيادة موحدة، معتبراً أن تحقيق ذلك قد يشكل صيغة قابلة للتعايش بين بغداد وطهران والفصائل وواشنطن.
ويخلص إلى أن العراق أمام معادلة دقيقة، فواشنطن تريد سلاحا خاضعا لقرار الدولة، والفصائل تريد ضمان عدم حلها أو نزع سلاحها بالقوة، فيما تسعى الحكومة إلى حصر القرار الأمني والعسكري بيدها من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية.
أما الخبير الأمني سرمد البياتي فيرى أن الحديث عن تحديد موعد رسمي لتسليم السلاح لا يزال غير محسوم، مشيرا إلى وجود مؤشرات وتصريحات من جانب الحكومة تفيد بعدم وجود موعد محدد حتى الآن، فيما تبقى قضية خروج قوات التحالف الدولي إحدى أبرز الإشكاليات المرتبطة بالملف.
ويؤكد البياتي في حيدثه لـ”طريق 24″ أن الولايات المتحدة لا تنظر إلى الحشد الشعبي ككل على أنه مشكلة، بل إن الإشكال، من وجهة نظرها، يتعلق ببعض الفصائل الموجودة ضمن الحشد.
ويشير إلى أن مصطلحات مثل “حصر السلاح” أصبحت مستفزة لعدد من الفصائل، معتبرا أن الانتقال إلى مفاهيم “تنظيم السلاح” أو “إدارة السلاح” قد يكون أكثر ملاءمة لخفض التصعيد وفتح باب الحوار.
ويضيف البياتي أن هناك خطوط تواصل عدة مفتوحة مع الفصائل بشأن هذا الملف، معتبرا أن استمرار الحوار يمثل المسار الأفضل للوصول إلى معالجة تدريجية بعيدا عن التصعيد.



