فن وثقافة

فيلم «دموي».. قراءة في رعب الجسد والرأسمالية

يقدم فيلم «دموي» للمخرجة الفرنسية ماريون لو كوروليه قراءة مختلفة للرعب، لا تقوم على الوحش التقليدي بقدر ما تبحث عن مصدر الخوف داخل المؤسسات التي يفترض أن تحمي الإنسان. ففي مستشفى تتحول فيه الأجساد إلى ساحة لتجارب غامضة، تبدأ الممرضة الشابة مارغو بمواجهة أعراض جسدية مقلقة، قبل أن تكتشف انتشار حالات مشابهة داخل المستشفى وخارجه.

يمكن قراءة الفيلم بوصفه نقدا للرأسمالية حين تتسلل إلى الجسد. فالمستشفى، الذي يفترض أن يكون مكانا للعلاج والرعاية، يظهر باعتباره مؤسسة تخضع بصورة متزايدة لمنطق الأداء والإنتاجية والمردودية، بما يجعل العامل الصحي والمريض معا جزءا من منظومة تقيس الوقت والكفاءة قبل أن تنظر إلى الإنسان.

ولا يبدو «الاحتراق الوظيفي» في الفيلم مشكلة نفسية فردية، بل نتيجة لشروط عمل تضغط على الإنسان حتى تتحول آثار الضغط النفسي إلى أعراض جسدية. هنا يصبح النزيف والتشوه الجسديان استعارة مادية لعامل لم يعد قادرا على تحمل النظام الذي يستنزف طاقته، فيتحول الجسد نفسه إلى وسيلة للاحتجاج.

وتتسع هذه القراءة مع حديث المخرجة عن جيل «زد» وعلاقته بالعمل. فالشباب الذين نشأوا وسط أزمات اقتصادية وسياسية وبيئية متلاحقة لم يعودوا يرون العمل بوصفه الطريق الطبيعي إلى الاستقرار والمستقبل. ومع انتشار الوظائف الهشة وما تسميه المخرجة «الوظائف العبثية»، يتراجع الإيمان بأن التضحية بالحاضر ستقود بالضرورة إلى حياة أفضل.

ومن هنا يطرح الفيلم مسألة الاغتراب بصورة معاصرة: الإنسان لا يفقد السيطرة على عمله ووقته فقط، بل قد يفقد السيطرة على جسده أيضا. فمارغو تقاوم طوال الفيلم كي لا يبتلعها النظام، في إشارة إلى صراع الفرد للحفاظ على هويته داخل عالم يدفع العاملين إلى التشابه والاستنزاف.

كما يحمل الفيلم بعدا نسويا واضحا، إذ يأتي ضمن موجة أفلام «رعب الجسد» التي تقودها مخرجات فرنسيات، ويطرح مسألة استعادة السيطرة على الجسد النسائي بعد عقود من إخضاعه للنظرة الاجتماعية والطبية والجمالية. ويصبح الجسد هنا ليس موضوعا للفرجة فحسب، بل مساحة للصراع على السلطة.

لكن الفيلم، يظل أكثر قوة في تشخيص المشكلة من تقديم بديل لها. فهو يكشف العلاقة بين العمل والرأسمالية والجسد، لكنه يبقي المقاومة في إطار فردي؛ أي في محاولة الشخصية الحفاظ على ذاتها وعدم ابتلاعها من النظام، من دون الانتقال بوضوح إلى المقاومة الجماعية أو تغيير شروط العمل نفسها.

وبذلك يمكن النظر إلى «دموي» بوصفه فيلما عن الرأسمالية حين تدخل الجسد: الدم ليس مجرد أداة للرعب، بل علامة على الكلفة التي يدفعها الإنسان عندما يتحول العمل من وسيلة للعيش إلى منظومة تستحوذ على وقته وطاقته وجسده.

والسؤال الذي يتركه الفيلم خلف الرعب هو: هل يكفي أن ينقذ الإنسان جسده من النظام، أم أن إنقاذه الحقيقي يتطلب تغيير الشروط التي جعلت هذا الجسد ينهار أصلا؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى