العراقزوايامحليات

محنة التعليم.. الخوارزميات تحدد “أفضل أستاذ” والمنصات تحولت لبورصة مشاهير والمشرّع يتفرج

وجه الدكتور مالك ثويني، المستشار الدولي في أنظمة المؤهلات والسياسيات الاستراتيجية، انتقادا شديدا للاخطار الذي اصدرته وزارة التربية مؤخرا والذي اعطت فيه مهلة شهر واحد للمنصات التعليمية غير المرخصة لتسوية اوضاعها القانونية، مؤكدا أن الأزمة لا تنحصر بالتراخيص، بل بخلل أعمق يكمن في بنية التعليم.

وفي حديث مفصّل لـ”طريق24″، قال ثويني: إن المنصات الإلكترونية “لم تقتحم التعليم عنوة، بل ملأت فراغاً تركه النظام التعليمي الرسمي عندما قُلصت الحصة الدراسية إلى نصف وقتها الفعلي بسبب نظام الوجبتين المشوه، بالاضافة إلى أن طبيعة النظام التعليمي معقد ويختزل مصير 12 عام من الدراسة في امتحان وزاري واحد، لذلك اصبح التعليم سلعة قابلة للبيع والشراء خارج أسوار المدارس.

وأوضح المتحدث أن السوق لا يخترع الحاجات، بل يقدمها للزبائن. لذلك باعت المنصات التعليمية الى الطلبة النصف الآخر من المادة الدراسية التي عجز التعليم الحكومي عن تغطيته، مبينا أن المنصات تحوّلت اليوم إلى صناعة كاملة تدار بمنطق المشاهير، لا بمنطق التربية والتعليم، وأصبحت الخوارزميات وظاهرة الترند والتفاعل هي من تحدد هوية “أفضل استاذ في العراق” وليس الإشراف التربوي أو المعايير الرصينة.

وتضمن اخطار الوزارة وجبة أولى من هذه المنصات المخالفة وعددها 58 منصة، بضمنها منصات شهيرة جدا وتعمل منذ فترات زمنية طويلة.

وفيما يتعلق بالحديث عن تحديد أسعار الاشتراكات، أشار الخبير ثويني إلى إن الحديث عن ضبط أسعار كروت الشحن والاشتراكات هو وهم جميل، ففي اليوم الذي سيصدر فيه قرار حكومي بالتسعير الجبري، ستهاجر تلك الدروس فوراً إلى قنوات مغلقة وسوق سوداء خلال أسبوع واحد، لتخسر الدولة الرقابة والضريبة معاً.

وأكد أن أحد ابرز ابعاد هذه المشكلة هو ما سماه بـ”انفصال التعليم عن التقييم”، أي عندما تمتحن الدولة ما لم تقوم بتدريسه بكفاءة، بينما تقوم المنصة بتدريس ما لا تُحاسب عليه قانوناً، مما يضعنا أمام منظومة مشلولة بلا حلقة مساءلة واحدة. أما البعد الثاني بحسب قول ثويني، فهو “انقلاب العدالة الاجتماعية”، إذ تحول الامتحان الوزاري، الذي صُمم تاريخياً ليكون مسطرة وطنية تساهم في تكافؤ الفرص بين الفقير والغني، إلى مجرد “إيصال دفع مقنّع” لمن يملك ثمن الاشتراك الرقمي.

وعن الجانب القانوني، أوضح ثويني أن “توصيف المنصات بأنها خارجة عن القانون وتعمل بلا رقيب، هو أمر يحتاج إلى تصحيح، فهذه المنصات لم تتهرب من ترخيص مسبق، بل وُلدت كلها في زمن لم يكن فيه ترخيص أصلاً، إذ لم تعرف التشريعات العراقية فئة قانونية اسمها منصة تعليمية”.

وأضاف أن “الغياب لم يكن غياب رقيب، بل غياب مشرّع يواكب العصر، لذا فإن قائمة الحظر والتهديد بإغلاق النطاقات الإلكترونية عبر هيئة الإعلام والاتصالات ستبقى خطوة عرجاء إن اكتفت بإغلاق الباب الرمادي دون فتح باب شرعي واضح ومرن، فالسوق حين تُغلق بلا بديل، لا تختفي، بل تنزل تحت الأرض”.

وختم ثويني حديثه لـ”طريق 24″ بالقول: إن الطالب العراقي لا يُحمى بزر الحجب، فالمنع الرقمي يحمي هيبة الوزارة مؤقتاً لكنه يترك الطالب بلا سند علمي، والمفارقة الصادمة أن المعلم العراقي ليس ضحية لهذه المنصات، بل هو وقودها، والدولة تواجه اليوم كادراً تدريسياً هاجر ولاؤه الاقتصادي إلى القطاع الخاص وبقي جسده فقط في الملاك الوظيفي للدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى