العراقحقوقحكاياتمجتمعمحليات
أخر الأخبار

“منو جبرج تتزوجين؟”.. عراقيات يروين قسوة بعض صالات الولادة الحكومية

في هذا التقرير، تروي نساء لـ”طريق24″ تجاربهن مع الإهانة والقسوة أثناء الولادة، ويبحث في أسباب هذه الممارسات ومسؤولية المؤسسات الصحية في مواجهتها.

لم تغادر كلمات الممرضة ذاكرة غصون حسين، حتى بعدما انتهت آلام المخاض. كانت المرأة، القادمة من محافظة واسط، تبكي من صعوبة الولادة وتنتظر من يطمئنها، لكنها سمعت عبارة: “منو جبرج تتزوجين؟ بس تبقين تبجين أعوفج ومالي علاقة بيج، أخذي الإبرة واسكتي”.

تستعيد غصون تجربتها، متحدثة عن خوف أضيف إلى الألم، حين قوبل بكاؤها بالصراخ والتهديد بتركها دون مساعدة. ما بقي معها من تلك اللحظة هو الطريقة التي خاطبتها بها ممرضة كانت تنتظر منها الرعاية، وهي تستعد لاستقبال طفلها.

اهانات وتصرفات وحشية

في شهادات نساء من واسط وبابل وذي قار، تتكرر روايات عن توبيخ وإهانات وتجاهل للخصوصية داخل صالات الولادة. تختلف التفاصيل، لكنها تلتقي عند شعور بالعجز عن الاعتراض في لحظة تعتمد فيها المرأة على من يتولى رعايتها.

ومن الحلة، تروي دعاء ناصر تجربة امتدت إلى اتخاذ قرار يتعلق بجسدها من دون إشراكها فيه. تقول إنها واجهت إهمالا وعدم احترام لخصوصيتها، وأُجبرت على السكوت أثناء المخاض، قبل إجراء “شق العجان” لها من دون مناقشة مسبقة أو الحصول على موافقتها.

لا تصف دعاء اعتراضها بأنه رفض للرعاية، لان ما افتقدته هو شرح الإجراء وإتاحة المجال لفهمه ومناقشته، متى ما سمحت حالة الولادة بذلك. وبين الألم والاستعداد للإنجاب، وجدت نفسها أمام قرار لم تُسأل عنه.

أما بشرى عبيد، من قضاء سوق الشيوخ في ذي قار، فبدأ الموقف الذي تستعيده بعد الولادة، عندما احتاجت إلى مساعدة لتغيير ملابسها. تقول إن الممرضة سحبتها بقوة وضغطت على بطنها، وخاطبتها بعبارة: “هذا العرس اللي ردتي”.

وتضيف أنها سمعت أثناء تبديل ملابسها كلاما جارحا وخادشا للحياء، من بينه: “العرس مو فراش وونسة.. العراق جهال وألم ومسؤولية وانتن تريدن فراش وسفرات بس”.

وبالنسبة إلى بشرى، لم يكن التعب الجسدي وحده مصدر المعاناة، فقد شعرت بأنها مضطرة إلى السكوت لأن حياتها، كما تقول، بأيدي من يعاملنها بهذه الطريقة. وهكذا تحوّل طلب بسيط للمساعدة بعد الولادة إلى موقف آخر من الإذلال.

وتتوافق هذه الروايات مع شهادات منشورة سابقا. ففي منشورات قديمة على مواقع التواصل الاجتماعي، روت سارة العيسى، من البصرة، تعرضها للتوبيخ بسبب نسيان قماط إضافي لطفلها. وتحدثت لوديا ريمون عن صراخ وإهانات ذات إيحاءات جنسية تعرضت لها شقيقتها أثناء المخاض في مستشفى ابن غزوان، إلى جانب غياب الخصوصية داخل الصالة.

وينقل تقرير صحفي عن معاون مدير أحد مستشفيات الولادة في ديالى تلقي شكاوى عن إهانات وضرب وقرص. لكنه قال إن نساء يكتفين بالحديث عما جرى، ويترددن في تقديم شكاوى تحريرية خشية كشف أسمائهن والحديث عن تفاصيل خاصة أمام المحاكم.

العنف المؤسسي

وترى الناشطة تبارك مجيد أن تكرار هذه الممارسات داخل بعض المؤسسات الصحية يستدعي التعامل معها باعتبارها عنفاً مؤسسيا، لا اختزالها بالإهمال أو التصرفات الفردية. وتصف صالات الولادة، في حالات عديدة، بأنها تحولت إلى أماكن للعنف و “التعذيب النفسي والجسدي”.

وتتحدث مجيد عن حالات تُستحصل فيها موافقات النساء على تدخلات طبية بدوافع تجارية، بينها دفعهن إلى الولادة القيصرية بحجج مختلفة، فضلا عن إجراءات تُجرى من دون تخدير، مستغلة حالة الضعف التي تمر بها المرأة.

وتؤكد أن الضرب والشتائم والممارسات غير المهنية باتت شائعة في عدد من المستشفيات الحكومية، مع تشديدها على أن ذلك لا يمثل تعميما على جميع الكوادر الصحية. وترى أن القضية ظلت لسنوات محاطة بالصمت، بسبب التحفظ الاجتماعي عن مناقشة أجساد النساء وصحتهن النفسية والجسدية.

وتربط مجيد ضعف الرعاية بمشكلات مؤسسية وسياسية، تشمل شبهات فساد وسياسات خاطئة وتهميش احتياجات النساء والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة، إلى جانب نقص التجهيزات وسوء الإدارة. وتعدّ حرمان النساء من الرعاية والكرامة شكلا من العنف الهيكلي، قد يعيدهن إلى منازلهن بجروح جسدية ونفسية.

معايير دولية واضحة

وتضع منظمة الصحة العالمية الإساءة اللفظية والجسدية والتمييز وضعف التواصل والإخفاق في الالتزام بمعايير الرعاية ضمن صور سوء المعاملة أثناء الولادة. وتوصي بتدريب الكوادر، وحماية الخصوصية، وضمان الموافقة المستنيرة، وتعزيز آليات المساءلة.

وفي موقف منشور بتاريخ 22 كانون الثاني 2026، قالت المسؤولة في وزارة الصحة فاطمة الخالدي لـ”العربي الجديد” إن سوء معاملة النساء قبل الولادة أو خلالها مرفوض ويتعارض مع أخلاقيات المهنة، وإن البلاغات عن الإساءة تخضع للتحقيق وقد تستدعي إجراءات إدارية أو قانونية.

وأقرت بوجود ضغط على المستشفيات ونقص في بعض الاختصاصات، لكنها أكدت أن تلك الظروف لا تبرر الإساءة. وفي التقرير نفسه، دعا الطبيب خليل داوود إلى تدريب الكوادر على التعامل الإنساني وتعزيز الرقابة والمساءلة، بالتوازي مع تحسين الإمكانات الطبية.

وبين التأكيد الرسمي على احترام المريضات والشهادات التي تصف ما يجري داخل الصالات، تبقى تجربة غصون حاضرة في كلمات لم تنسها: كانت تبكي من الألم وتنتظر المساعدة، فوجدت نفسها مطالبة بالصمت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى