
بضعة أزرار على الهاتف تكفي للعودة أربعين عاما إلى الوراء. يتبدل القميص، ويطول الشعر، وتبهت ألوان الصورة قليلا، فيظهر صاحبها كأنه خرج للتو من ألبوم العائلة. خلفه تلفزيون قديم، وحوله أثاث يشبه ما تحتفظ به الذاكرة من بيوت الأهل.
هكذا أعاد “ترند الثمانينات” وجوها من الحاضر إلى زمن آخر، بعدما استخدم رواد مواقع التواصل الاجتماعي الذكاء الاصطناعي لصناعة صور تحاكي ملابس تلك السنوات وتسريحاتها وألوانها. وبين الضحك على الإطلالات الجديدة والإعجاب بها، حضرت ذكريات عن حياة تبدو، من بعيد، أكثر بساطة ودفئا.
وفي العراق، للثمانينات اسم آخر يتردد في أحاديث الحنين: “أيام الخير”. ورغم الحرب المجنونة التي أثقلت تلك السنوات والنظام السياسي السابق وأفعاله المارقة، ما زالت الذاكرة تجد فيها فسحة للحديث عن لمة الأهل، والجيران، وأغنية ينتظرها الجميع أمام التلفزيون.
لم تكن أياما خالية من الألم، لكن الذين يحنّون إليها قد يستعيدون بيتا كان عامرا بأحبته، أو طفولة لم تكن تعرف من العالم أبعد من المدرسة والشارع. يتذكرون ما أحبوه، وتبقى الخسارات في صفحات أخرى من الألبوم.
بيها روح
مريم جبر وجدت ما تحبه في التسريحات والألوان والملامح البسيطة. تقول إن هذا ما دفعها إلى المشاركة، وإن أكثر ما يعجبها في صور تلك الفترة هو ظهور النساء بوجوه طبيعية، بعيدا عن الفلاتر والتجميل.
أرادت أن ترى صورتها بروح تلك السنوات، كيف سيبدو شعرها، وأي ملابس ستختار لها التقنية، وهل ستشبه إحدى الصور القديمة التي اعتادت مشاهدتها؟
أما لينا حسين، فعبّرت عن إعجابها بكلمات قليلة: “بيها روح وتنطي طاقة”.
تلفتها ألوان ملابس النساء وتنوع تسريحات الشعر. وترى أن لكل امرأة في تلك الصور شكلها الخاص، خلافا لما تصفه بتشابه بعض الوجوه اليوم نتيجة المبالغة في التجميل وتغيير الملامح، حتى تبدو أحيانا “مستنسخة”.
بالنسبة إليها، تحمل الصور القديمة جمالا في اختلافها. لا تتكرر التسريحة نفسها على الجميع، ولا تختفي الملامح وراء صورة واحدة للجمال. وهذا ما جعل التجربة أقرب إليها من مجرد تعديل عابر لصورتها.
لكن أحمد ناظم وهو من جيل الألفية، لم يكن بحاجة إلى كل هذا الحنين ليشارك، كان الفضول كافيا. أراد أن يعرف كيف سيبدو لو عاش في الثمانينات والتقط صورة بملابسها وألوانها.
ويقول إن سهولة استخدام الذكاء الاصطناعي شجعته على التجربة، إذ يمكن خلال وقت قصير نقل الصورة الحالية إلى أجواء مختلفة، من الخلفية إلى الملابس وتسريحة الشعر.
وهكذا يجمع الترند من يشتاقون إلى زمن عرفوه، ومن يريدون زيارته للمرة الأولى، ولو بصورة.
صور لا تحتاج إلى الذكاء الاصطناعي
الفنانون أيضا دخلوا على خط الحنين، لكن بعضهم اكتفى بفتح ألبومه القديم.
النجم الدرامي والمسرحي المصري أشرف عبد الباقي نشر صورة له من الثمانينات، وكتب مازحا: “أنا مش محتاج ChatGPT “.
وشاركت الفاتنة ونجمة السينما المصرية ليلى علوي صورا تحت عبارة: “الثمانينات.. بس بصور حقيقية من ذكرياتي”.
أما زميلتها نادية الجندي التي دخلت عقدها الثامن، فاستعادت صورا من ألبومها، مؤكدة أنها حقيقية وليست مصنوعة بالذكاء الاصطناعي، وكتبت عن “التمانينات وجمال التمانينات”.
وبكلمات تستعيد صوت الكاسيت وموعد الأغنية على التلفزيون، دعت النجمة الغنائية ديانا حداد جمهورها إلى العودة معها إلى ما قبل هذه التقنيات: “لأيام ما كانت مشاعرنا نحفظها على شريط، والتلفزيون اللي كنا ننتظر عليه الأغنية المفضلة”.
وكان للأغنية انتظارها، وللشريط مكانه بين الأغراض التي يصعب التفريط بها. وقد تعيد صورة واحدة تلك التفاصيل كلها: صوتا نحبه، وغرفة قديمة، وأشخاصا كانوا يجلسون قربنا.
حنين إلى الهدوء
وراء الملابس والتسريحات، يفتح الترند سؤالا في الأذهان، هل يحن الناس إلى الثمانينات نفسها، أم إلى شيء يفتقدونه اليوم؟
ربما تبدو العودة إلى الماضي استراحة قصيرة من حاضر قاس، تتلاحق فيه أخبار الحروب، وتعلو فيه أصوات الطائفية والكراهية. وربما يشتاق البعض إلى هدوء يتذكرونه في البيوت، وإلى كلام أكثر لطفا، وعلاقات لم تكن تمر كل يوم باختبارات الغضب على مواقع التواصل.
ولا يعني ذلك أن الماضي كان جميلا كله، أو أن الجميع شارك هربا من يومه. فهناك من أحب الألوان فحسب، ومن أراد أن يضحك مع أصدقائه على تسريحة غير مألوفة. لكن الحنين يجد طريقه بسهولة إلى هذه الصور، خصوصا حين يبدو الحاضر متعبا.
في العراق، كانت للثمانينات حربها وانتظارها وخوفها أيضا. ومع ذلك، بقي في ذاكرة الناس متسع لقميص ملون، ومسلسل تجتمع عليه الأسرة، وكلمة طيبة من جار. وربما تكون هذه التفاصيل الصغيرة هي ما يقصدونه حين يقولون
أيام الخير”.
لا تعيد التقنية تلك الأيام، لكنها تمنح أصحاب الصور لحظة يتخيلون فيها أنفسهم هناك. يبتسمون لوجوههم بملابس قديمة، ثم يرسلون الصورة إلى من يحبون، كأنهم يقولون: انظروا، هكذا كنا سنبدو في زمن آخر.



